فكل واحد من هذه الألفاظ يقال إن وزنه فعل ، وليس بعضها أولى بأن يكون أصلا في بابه من بعض ، وكما أنّ المبدل والمزيد لهما مقاييس يعرفان بها ، ومواضع يستعملان فيها ، لا يتعدّيانها إلى غيرها ، فكذلك المقلوب .
ولولا [ 237 ] أنّ التشاغل بهذا الشأن يخرج كتابنا عن أن يكون كتاب لغة إلى أن يكون كتاب تصريف ، لتكلمنا على كل كلمة تضمنها هذا الباب ، وذكرنا وجه القياس فيها ، ولكنا نذكر جملة من ذلك ننبّه قارئها على بقية هذا الباب إن شاء اللّه .
فمن مقاييس هذا الباب ، أن يوجد لأحد اللفظين مادة مستعملة ولا توجد للآخر ، فتحكم للذي له المادة المستعملة بأنه الأصل ، كقولهم : ما أطيبه ، وما أيطبه ، لأنّا نجد ل « أطيب » مادة مستعملة مصرّفة ، وهي : طاب يطيب طيبا فهو طيب ، ولا نجد ل « أيطب » مادة مصرفة ، فنقضي على « أطيب » أنه الأصل ، و « أيطب » مقلوب فيه ، وكذلك قول الشاعر « 1 » : [ من البسيط ]
حتى استفأنا نساء الحيّ ضاحية * وأصبح المرء عمرو مثبتا كاعي
فإنا نزعم أن كاعيا مقلوب من كائع ، لأنا وجدنا ل « كائع » مادة مستعملة ولم نجد كعا مستعملا إلا في هذا البيت ، وهذا على مذهب يعقوب لأنه جعل هذا من المقلوب ، وقد يجوز أن يكون من قولهم : كعّ يكعّ ، ويكون أصله كاعّا بالتشديد ، فأبدل من أحد المثلين ياء كما قال الآخر « 2 » : [ من الطويل ]
نزور امرا أمّا الإله فيتقي * وأما بفعل الصالحين فيأتمي
أراد يأتمّ ، وكذلك قولهم : رأى وراء ، وجدناهم يقولون : رأى يرى رؤية ، ولم نجد ل « راء » تصرفا في مستقبل ولا في مصدر ، ولا غير ذلك مما يتصرف فيها في « رأى » من أمر ونهي واسم فاعل واسم مفعول .
وبهذا الدليل قضينا على « أيس » بأنه مقلوب من « يئس » .
ومن ذلك قولهم : أنى الشيء يأنى ، وآن يئين . زعم الأصمعي أنّ « أنى » له مصدر وهو إنّى على وزن رضا ، ولا مصدر ل « آن » فينبغي على قوله أن يكون « آن » هو المقلوب عن « أنى » .
وحكى أبو زيد : « آن يئين أينا » . فعلى قول أبي زيد لا يجب أن يكون واحد منهما مقلوبا عن الآخر ، ويجب على قوله أن يكون « آن » من ذوات الياء .
هامش
( 1 ) تقدم تخريج البيت ص 273 .
( 2 ) البيت لكثير عزة في ديوانه 300 ، وتقدم تخريجه ص 193 .