أن الهاء في هرقت وأهرقت ليست فاء الفعل ، على ما توهم من ظنها كذلك ، أنها لو كانت كذلك للزم أن يجري هرقت في تصريفه مجرى ضربت . فيقال : هرقت أهرق ، كما تقول : ضربت أضرب ضربا ، أو مجرى غيره من الأفعال الثلاثية التي يجيء [ 228 ] مضارعها بضم العين ، وتجيء مصادرها مختلفة ، وكان يلزم أن يجري « أهرقت » في تصريفه مجرى « أكرمت » ونحوه من الأفعال الرباعية الصحيحة ، فيقال : أهرقت أهرق إهراقا ، كما تقول : أكرمت أكرم إكراما .
ولم تقل العرب شيئا من ذلك ، وإنما يقولون في تصريف « هرقت » : أهريق فيفتحون الهاء ، وكذلك يفتحونها في اسم الفاعل ، فيقولون مهريق ، وفي اسم المفعول :
مهراق ، لأنها بدل من همزة لو ثبتت في تصريف الفعل لكانت مفتوحة ؛ ألا ترى أنك لو صرفت « أرقت » على ما ينبغي من التصريف ، ولم تحذف الهمزة منه ، لقلت في مضارعه يؤريق ، وفي اسم فاعله : مؤريق ، وفي اسم مفعوله مؤراق . وقالوا في المصدر : هراقة ، كما قالوا إراقة . وإذا صرفوا أهرقت قالوا في المضارع : أهريق ، وفي المصدر إهراقة ، وفي اسم الفاعل مهريق ، وفي اسم المفعول مهراق ، فأسكنوا الهاء في جميع تصريف الكلمة ، فهذا يدل على أنه فعل رباعي معتل وليس بفعل صحيح ، وأن الهاء فيه بدل من همزة أرقت ، أو عوض كما قلنا . قال العديل بن الفرخ « 1 » : [ من الطويل ]
فكنت كمهريق الذي في سقائه * لرقراق آل فوق رابية صلد
وقال ذو الرمة « 2 » : [ من الطويل ]
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت * لأعزله عنها وفي النفس أن أثني « 3 »
وقال الأعشى « 4 » في أراك : [ من الخفيف ]
في أراك مرد تكاد إذا ما * ذرّت الشمس ساعة تهراق
هامش
( 1 ) تقدم تخريج البيت ص 157 .
( 2 ) البيت لذي الرمة في ديوانه 1783 ، وخزانة الأدب 9 / 279 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 202 ، واللسان 10 / 135 ( روق ) ، 367 ( هرق ) ، والتاج ( هرق ) ، وبلا نسبة في تذكرة النحاة 694 ، ورصف المباني 401 .
( 3 ) قوله « أنصتت » : يريد أن البكرة سكتت وكفت عن الصرير عندما وقفت عن الدوران ، ووصل الدلو إلى حافة البئر ، وكاد أن يريق ماءه ، أي يصبه في الحوض . أثني : يريد أمتاح دلوا ثانيا .
( 4 ) ديوان الأعشى ص 259 .