وقال الفراء : ينبغي لمن نصب ب « إذن » الفعل المستقبل ، أن يكتبها بالنون ، فإذا توسطت الكلام فكانت لغوا كتبت بالألف .
قال ابن قتيبة : وأحبّ إليّ أن تكتبها بالألف في كل حال ، لأن الوقوف عليها بالألف في كل حال .
قال المفسر : قد اختلف الناس في « إذن » كيف ينبغي أن تكتب ، فرأى بعضهم أن تكتب بالنون على كل حال ، وهو رأي أبي العباس المبرّد . ورأى قوم أن تكتب بالألف على كل حال ، وهو رأي المازنيّ . ورأى الفرّاء ، أن تكتب بالنون إذا كانت عاملة ، وبالألف إذا كانت ملغاة .
وأحسن الأقوال فيها قول المبرّد ، لأن نون « إذن » ليست بمنزلة التنوين ، ولا بمنزلة النون الخفيفة ، فتجرى مجراهما في قلبها ألفا . إنما هي أصل من نفس الكلمة ، ولأنها إذا كتبت بالألف أشبهت « إذا » التي هي ظرف ، فوقع اللبس بينهما . ونحن نجد الكتّاب قد زادوا في كلمات ما ليس فيها ، وحذفوا من بعضها ما هو للفرق بينها وبين ما يلتبس بها في الخط ، فيجوز أن تكتب « إذا » بالألف ، وذلك مؤدّ إلى الالتباس ب « إذا » .
وقد اضطربت آراء الكتّاب والنحويين في الهجاء ، [ 167 ] ولم يلتزموا فيه القياس ، فزادوا في مواضع حروفا خشية اللّبس ، نحو واو عمرو ، وياء أوخيّ وألف مائة ، وحذفوا في مواضع ما هو في نفس الكلمة ، نحو خالد ومالك ، فأوقعوا اللبس بما فعلوه ، لأن الألف إذا حذفت من خالد صار : خلدا ، وإذا حذفت من مالك ، صار : ملكا ، وجعلوا كثيرا من الحروف على صورة واحدة ، كالدال والذال ، والجيم والحاء والخاء ، وعوّلوا على النقط في الفرق بينها ، فكان ذلك سببا للتصحيف الواقع في الكلام . ولو جعلوا لكل حرف صورة لا تشبه صورة صاحبه ، كما فعل سائر الأمم ، لكان أوضح للمعاني وأقلّ للالتباس والتصحيف . لذلك صار التصحيف للسان العربي أكثر منه في سائر الألسنة .
مسألة : وقال في آخر هذا الباب « 1 » :
وتكتب : « فرأيكما » و « فرأيكم » ، فإن نصبت « رأيك » ، فعلى مذهب الإغراء ، أي : فر رأيك « 2 » ، وإن رفعت ، لم ترفع على مذهب الاستفهام ، ولكن على الخبر ، [ وكتبت : « موفقا إن أردت الرأي » ، و « موفّقين » ، إن أردت
هامش
( 1 ) أدب الكاتب ص 249 .
( 2 ) في « ط » : « من رأيك » تحريف ، و « فر رأيك » الفاء استئنافية ، والراء : فعل أمر من الفعل رأى .