تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وقد تحرّز ابن قتيبة من هذا الاعتراض بعض التحرّز ، بقوله : « ألحقتها ألفا » . ولم يقل : جعلتها ألفا . ومما يبين لك ذلك أن الهمزة إنما تصوّر في معظم أحوالها بصورة الحرف الذي تنقلب إليه عند التخفيف ، أو تقرب منه . فتكتب : « لؤم الرجل » بالواو ، لأنك لو خففتها لجعلتها بين الهمزة والواو . وتكتب : « جؤنا » بالواو ، لأنك لو خففتها لكانت واوا محضة . فلما كانت الهمزة في الخبء والدّفء إذا خففت ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت ، وكان الوقف يزيل حركتها ، وجب ألا تكون لها صورة في الخط . وهذه العلة بعينها موجودة فيها إذا كانت في موضع تنوين . ألا ترى أنك إذا خففت خبئا ودفئا ، قلت : خبا ودفا ، كما تقول : الخب والدّف . فإن قال قائل : فإن من النحويين من يرى أن العلة التي من أجلها حذفت ولم يكن لها صورة في الخبء والدفء ، أن الهمزة إنما تدبّرها حركة ما قبلها إذا كانت ساكنة أو حركتها في نفسها إذا كانت متحركة ، إلا أن تعرض علة تمنع من أن تدبّر بحركتها في نفسها فتدبّر ، أي تكتب « 1 » حينئذ بحركة ما قبلها ، مثل العلة العارضة في جؤن ومئر « 2 » ، لأنها لو دبّرت هاهنا بحركتها في نفسها ، لكانت ألفا . ولا تصح الألف ، إلا إذا انضم ما قبلها أو انكسر ، فأدى ذلك إلى أن تدبّر بحركة ما قبلها ، فجعلت واو محضة في جؤن ، وياء محضة في مئر . فما ينكر أن تكون الهمزة في الخبء والدفء لما كانت لا تثبت حركتها في الوقف ، لم يجز أن تدبّر بحركتها في نفسها ، ولم يكن قبلها حركة تدبّرها ، فسقطت صورتها . ولما كانت في أخذت خبأ ورأيت دفئا ثابتة الحركة ، لا يزيلها الوقف ، وجب أن تدبّر بحركتها في نفسها فتجعل ألفا ، ثم اجتمعت ألفان ، الألف التي هي صورة الهمزة ، والألف التي هي بدل من التنوين ، فحذفت إحداهما . قيل له هذا الاعتلال ممكن أن يعلل به . [ 170 ] ولكن لا يخلو صاحب هذا الاعتلال من أن يكون حذف الألف التي هي صورة الهمزة ، أو حذف التي هي بدل من التنوين . فلا يجوز أن تحذف التي هي بدل من التنوين عند أحد علمناه « 3 » . فصحّ أنّ المحذوفة هي صورة الهمزة . فقد آل الأمر في التعليلين جميعا أنّ الهمزة في خبء ودفء لا صورة لها في حال النصب والتنوين ، كما لم يكن لها صورة في الرفع والخفض . ومع الألف واللام . وأنّ الألف المرئية في الخط إنما هي المبدلة من التنوين .
هامش
( 1 ) سقط من « د » ، « ع » قوله : ( أي تكتب ) . ( 2 ) المئر : جمع مئرة ، وهي العداوة والذحل . ( 3 ) في « ط » : ( علمائنا ) .
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 235 | محمد باسل عيون السود / عبد الله بن محمد البطليوسي