ولعمري إن العرب ربما حاكت المعنى باللفظ الذي هو عبارة عنه في بعض المواضع ، ويوجد ذلك تارة في صفة الكلمة ، وتارة في إعرابها . فأما في الصفة فقولهم للعظيم اللحية : لحيانيّ . وكان القياس أن يقول : لحيي . وللعظيم الرقبة : رقبانيّ .
والقياس رقبي . وللعظيم الجمّة : جمّاني . والقياس جمّي . فزادوا في الألفاظ على ما كان ينبغي أن يكون عليه ، كما زادت المعاني الواقعة على نظائرها . وكذلك يقولون : صرّ الجندب : إذا صوّت صوتا لا تكرير فيه . فإذا كرّر الصوت قالوا : صرصر .
وأما محاكاتهم المعاني بإعراب الكلمة دون صيغها ، فإنا وجدناهم يقولون : صعد زيد الجبل ، وضرب زيد بكرا . فيرفعون اللفظ ، كما ارتفع المعنى الواقع تحته ، ولكن هذا قياس [ 158 ] غير مطرد . ألا تراهم قالوا : أسد وعنكبوت ، فجعلوا اللفظين مخالفين للمعنيين . وقالوا : زيد مضروب ، فرفعوه لفظا ، وهو منصوب معنى .
وقالوا : مات زيد ، وأمات اللّه زيدا ، وأحدهما فاعل على الحقيقة ، والآخر فاعل على المجاز . فإذا كان الأمر على هذا السبيل ، كان التشاغل بما تشاغل به ابن جني عناء لا فائدة فيه .
مسألة : وقال في هذا الباب « 1 » :
الرّجز : العذاب . والرّجس : النّتن .
قال المفسر : هذا قول الكسائي ، وكثير من اللغويين . وقال أبو الحسن الأخفش :
الرّجز : هو الرّجس بعينه . والذي حكى ابن قتيبة هو الوجه « 2 » .
مسألة : وقال في هذا الباب « 3 » :
الغلط في الكلام . فإن كان في الحساب فهو غلت .
قال المفسر : هذا الذي قاله هو الأشهر . وقد جاء الغلط في الحساب . والوجه في هذا أن يقال : إن الغلط عام في كل شيء أخطأ الإنسان وجهه ، عن غير تعمّد منه ولا قصد ، والغلت في الحساب وحده .
ويروى « 4 » أن أعرابيّا دخل على المساور بن هند يسأله ، فتشاغل عنه ، ثم سعل وضرط ، وكره أن يسمع الأعرابي ضرطته . فجذب السّفط ، وقال لكاتبه : غلطنا في حساب
هامش
( 1 ) أدب الكاتب ص 222 .
( 2 ) فصل ابن قتيبة القول في الرجز والرجس في تأويل مشكل القرآن 471 .
( 3 ) أدب الكاتب ص 223 .
( 4 ) من هنا إلى نهاية الخبر سقط من « ط » .