ومنه يقال في المثل « 1 » : « لا تكن حلوا فتسترط « 2 » ، ولا مرّا فتعقي » . يقال :
قد أعقى الشيء : إذا اشتدت مرارته .
قال المفسر : المعروف « فتعقى » بفتح القاف : أي تمجّ وتطرح من الأفواه . وهو مشتق من العقوة وهي الفناء ، ومعناه تطرح بالفناء لمرارتك . وتفسير ابن قتيبة يدل على كسر القاف . وقد وقف عليه أبو علي فقال : هكذا قرأته ، ولا معنى له عندي .
قال المفسر : من رواه بكسر القاف ، فله عندي تأويلان :
أحدهما : أن يكون معناه : لا تكن مرّا فتصير بالعقوة لمرارتك ، فيكون من باب أفعل الشيء ، إذا صار كذلك ، أو أصابه ذلك . وقد ذكره ابن قتيبة .
والثاني : ان يكون من باب اجتزائهم بذكر السبب عن ذكر المسبب ، لأن المرارة هي سبب الطّرح . فاكتفى بذكرها عن ذكر الطّرح ، فيكون كقول الشاعر ، وهو جزء بن ضرار أخو الشماخ « 3 » : [ من الطويل ]
وأنبئت قومي أحدث الدّهر فيهم * وعهدهم بالحادثات قريب
فإن يك حقّا ما أتاني فإنهم * كرام إذا ما النّائبات تنوب
[ 150 ] ولم يرد أنهم كرام في هذه الحال دون غيرها . وإنما المعنى فسيصبرون لكرمهم ، فاكتفى بذكر الكرم الذي هو سبب الصبر ، عن ذكر المسبّب عنه ، الذي هو الصبر .
وأنا أحسب قولهم : « أعقى الشيء » : إذا اشتدت مرارته ، راجعا إلى هذا المعنى ، لأن شدة مرارته سبب لأن يطرح بالعقوة . وكلام العرب أكثره مجاز وإشارة إلى المعاني . لذلك غمض كثير منه على من لم يتمهر فيه .
ويجوز أن يكون مشتقّا من العقي : وهو ما يخرج من بطن المولود فيكون معنى « تعقى » على هذا : تستقذر ، فتصير كالعقي ، فافهم .
فروق في الأرواث
قال في هذا الباب « 4 » : نجو السّبع وجعره .
هامش
( 1 ) المثل في مجمع الأمثال 2 / 232 ، والمستقصى 2 / 258 ، وفصل المقال 316 ، وكتاب الأمثال لابن سلام 219 ، وكتاب الأمثال لمجهول 123 .
( 2 ) في « ط » : ( فتزدرد ) ، وهي رواية الفاخر 247 ، ومجمع الأمثال 2 / 154 ، وجمهرة الأمثال 2 / 377 .
( 3 ) البيتان لجزء بن ضرار في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 344 .
( 4 ) أدب الكاتب ص 190 .