تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
[ من الكامل ]
والشّيب ينهض في السّواد كأنّه * ليل يصيح بجانبيه نهار
فما الليل والنهار ؟ فقال يونس : الليل : هو الليل المعروف ؛ وكذلك النهار . فقال جعفر : زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان ، والنهار : فرخ الحبارى . قال أبو عبيدة : والقول عندي في البيت ما قاله يونس ، والذي قاله المهدي معروف في الغريب ، ولكن ليس هذا موضعه . قال المفسر : يذهب قوم إلى أن المراد بالصياح في بيت الفرزدق الذي ذكرناه ، انصداع الفجر ، يجعلونه من قولهم : انصاح الثوب انصياحا : إذا تشقق . قال أوس بن حجر ، ويروى لعبيد بن الأبرص « 1 » : [ من البسيط ]
وأمست الأرض والقيعان مثرية * ما بين مرتتق منها ومنصاح « 2 »
[ 147 ] وقوم يجعلونه الصياح بعينه الذي هو الدعاء . وهذا هو الصحيح ، وإنما الصياح هاهنا : مجاز ، أو استعارة ، لأن النهار لما كان آخذ في الإقبال ، وكان الليل آخذ في الإدبار ، شبه النهار بالهازم ، الذي من شأنه أن يصيح على المهزوم . ولذلك شبهوا الليل بالقتيل ، وقد صرح الشماخ بهذا المعنى في قوله « 3 » : [ من الطويل ]
ولاقت بأرجاء البسيطة ساطعا * من الصّبح لما صاح بالليل بقرّا
وقد أكثر المحدثون من الشعراء في هذا المعنى . ومن مليح ما في ذلك قول المتنبي « 4 » : [ من الطويل ]
لقيت بدرب القلّة الفجر لقية * شفت كبدي والليل فيه قتيل
وقال محمد بن هانئ « 5 » : [ من الطويل ]
خليليّ هبّا فانصراها على الدّجى * كتائب حتى يهزم الليل هازم
وحتى ترى الجوزاء تنثر عقدها * وتسقط من كفّ الثّريّا الخواتم
وبيت ابن هانئ أوضح في المعنى الذي ذكرناه من بيت المتنبي .
هامش
( 1 ) البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه 37 ، ولأوس بن حجر في ديوانه 17 . ( 2 ) القيعان : جمع قاع ، وهو أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام ، المرتتق من النبات : ما لم يخرج نوره وزهره من أكمامه ، منها : أي من نبتها ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . ( 3 ) البيت للشماخ في اللسان 5 / 239 ( نهر ) ، وأساس البلاغة ( طيش ) ، والسمط 711 . وهو في ديوانه 144 ، وروايته :( وقد لبست عند الإلهة ساطعا * من الفجر لما صاح بالليل بقّرا ). ( 4 ) ديوانه 3 / 94 ، والوساطة 142 . ( 5 ) ديوانه 135 .