باب معرفة ما « 1 » في خلق الإنسان من عيوب الخلق
مسألة : قال في هذا الباب « 2 » :
واللّطع في الشفاه : بياض يصيبها ، وأكثر ما يعتري ذلك السّودان .
قال المفسر : وقع في النسخ ، « السودان » بالنصب . وكذا روي لنا عن أبي نصر .
والوجه رفع السودان على خبر المبتدأ الذي هو أكثر ما يعتري . ويكون « ما » بمعنى الذي .
ويعتري ذلك : صلة لها . ويقدّر في الفعل ضمير محذوف ، عائد إلى « ما » كأنه قال : وأكثر الذين يعتريهم ذلك السودان . وجعل « ما » لمن يعقل . وكان ينبغي أن يقول : وأكثر من يعتري ذلك .
قد استعملت « ما » للعاقل المميز ، كقوله سبحانه وتعالى :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى
« 3 » . وحكي عن العرب : « سبحان ما سبح الرعد بحمده » . وقال بعض المفسرين في قوله جل جلاله :
وَالسَّماءِ وَما بَناها * وَالْأَرْضِ وَما طَحاها
« 4 » أنه أراد : من بناها ومن طحاها . وهذا ليس صحيح ، إنما هي هاهنا مع الفعل بتأويل [ 144 ] المصدر ، كأنه قال :
وبنائها وطحوها . والنصب في « السودان » بعيد . لأنهم يصيرون مفعولين داخلين في صلة المصدر . فيصير التقدير : وأكثر اعتراء ذلك السودان ، « * » وهذا بعيد لأن « ما » تصير مع الفعل بتأويل المصدر ، « * » فيبقى المبتدأ بلا خبر . وليس يصح نصب « السودان » إلا على أن يجعل من ذلك مثل قولهم : « أول ما أقول : إني أحمد اللّه » ، في قول من كسر الهمزة .
فيكون مبتدأ محذوف الخبر . كأنه قال : وأكثر اعتراء ذلك السودان : معروف أو موجود . وقد أجاز الكوفيون نحو هذا في قولهم : « ضربي زيدا قائما » لأنهم جعلوا الضرب هو العامل في قائم والخبر مضمر ، لأن قائما على مذهبهم لا يصح أن يسد مسد الخبر ، كما صح في قول سيبويه ، لأنهم إذا أعملوا فيه الضرب صار من صلته .
وقد قال ابن قتيبة في باب العلل « 5 » : وأكثر ما يعتري ذلك الصبيان ، فيعلّق عنهم . والقول فيه كالقول في هذا .
هامش
( 1 ) في « ط » ( معرفة في خلق الإنسان ) .
( 2 ) أدب الكاتب ص 148 .
( 3 ) النساء : 3 .
( 4 ) الشمس : 6 .
* سقط ما بين النجمتين من « ط » .
( 5 ) أدب الكاتب ص 150 .