تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وأما الذين قالوا إنّ المسكين هو الذي له البلغة من العيش ، وأنّ الفقير هو الذي لا شيء له ، فاحتجوا بأشياء . منها قوله جل جلاله :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
« 1 » فجعل لهم سفينة ، ومنها أن الفقير في اللغة : هو المكسور الفقار ، ومن كسر فقاره ، فلا حياة له ، والقول الأول هو الصحيح . وما احتج به هؤلاء لا حجة فيه . أما قوله عزّ وجل :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ
فلا حجة فيه من وجهين : أحدهما : أنه ليس في الكلام دليل بيّن على أنها كانت ملكا لهم ومالا ، وممكن أن ينسبها إليهم لأنهم كانوا يخدمونها ويتولّون أمرها ، كما تقول : هذه الدابّة لفلان السّائس ، فتنسبها إليه لأنه يخدمها ، لا لأنّها ملك له ، والعرب تنسب الشيء إلى من ليس له على الحقيقة إذا كانت بينهما ملابسة ومجاورة كقوله سبحانه وتعالى :
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي
« 2 » وليس للّه تعالى مقام ، ولا هو من صفاته عزّ وجل . [ 115 ] وإنما أراد : مقامه عندي . ومن ذلك قول الفرزدق « 3 » : [ من الطويل ]
وأنتم لهذا الناس كالقبلة الّتي * بها أن يضلّ الناس يهدى ضلالها
في قول من جعل الضمير عائدا إلى القبلة ، لا إلى الناس ، ولا ضلال للقبلة وإنّما الضّلال للمضلين إليها . فهذا وجه . والوجه الثاني : أن يكون اللّه سمّاهم مساكين على جهة الترحّم ، الذي تستعمله العرب في قولهم : مررت بزيد المسكين ، فيسمّونه مسكينا ، إشفاقا وتحنّنا ، وليس بمسكين في الحقيقة . ويبيّن هذا ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنّه قال : « مسكين مسكين رجل لا أهل له . قالوا : يا رسول اللّه ، وإن كان ذا مال . قال : وإن كان ذا مال » . ولم يقع الخلاف بيننا في المسكين الذي يستعمل مجازا على وجه التمثيل ، وإنّما وقع الخلاف في المسكين على الحقيقة ، وأما احتجاجهم بأن الفقير هو المكسور الفقار ، فليس فيه أيضا حجّة ، لأنّه يجوز أن يكون مشتقّا من قولهم : فقرت أنف البعير : إذا حززته بحديدة ، ثم وضعت على موضع الحز الجرير ، وعليه وتر ملويّ لتذلّه وتروضه « 4 » .
هامش
( 1 ) الكهف : 79 . ( 2 ) إبراهيم : 14 . ( 3 ) البيت للفرزدق في ديوانه 2 / 76 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 81 ، والكتاب 3 / 85 . ( 4 ) في اللسان « فقر » 5 / 64 : ( فقر أنف البعير يفقره ويفقره فقرا ، فهو مفقور وفقير إذا حزّه بحديدة حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه ، ثم لوى عليه جريرا ليذلّل الصعب بذلك ويروضه ) .