قال المفسر : قد فسّر ابن قتيبة هذا البيت في كتابه الموضوع في معاني الشعر ، وقال « 1 » : أراد زيادة في خلقها . وحكى ذلك عن الرياشي . وهذا قول صحيح وإن كان غير بيّن ، وإنّما أراد الرياشي أن الشاعر لم يرد أن لها ثماني جواعر على الحقيقة ، وإنّما أراد أن مؤخرها لسعته وعظمه ، كان يحتمل أن تكون فيه ثماني جواعر ، والعرب قد تخرج الأمر الممكن مخرج الحقيقة ، فيقولون : « جاء بجفنة [ 114 ] يقعد فيها ثلاثة رجال » وليس المراد أنه جاء بها وفيها ثلاثة رجال على الحقيقة . وإنما المراد أنها لسعتها لو قعد فيها ثلاثة رجال وسعتهم . ونظير ذلك قول عطية بن عوف بن الخرع « 2 » : [ من المتقارب ]
لها حافر مثل قعب الولي * د تتّخذ الفأر فيه مغارا
مسألة : قال ابن قتيبة « 3 » :
ومن ذلك الفقير والمسكين . . . . . إلى آخر كلامه .
قال المفسر : هذه المسألة قد تتنازع فيها الناس ، فقال قوم « 4 » : الفقير ، أحسن حالا من المسكين ، لأن الفقير الذي له بلغة من العيش ، والمسكين هو الذي لا شيء له ، واحتجوا بقول الراعي « 5 » : [ من البسيط ]
أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل له حلوبة .
واحتجوا بقول اللّه سبحانه وتعالى :
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
« 6 » أي قد لصق بالتراب من شدة حاله ، واحتجوا أيضا بأنّ المسكين مشتق من السكون ، وأنّه بني على وزن « مفعيل » مبالغة في وصفه بالسكون وعدم الحركة ، أرادوا أنّه قد حلّ محل الميت الذي لا حراك به ، واحتج يونس بأن قال : قلت لأعرابي : أفقير أنت أم مسكين ، قال : لا واللّه ، بل أنا مسكين ، أراد أنه أسوأ حالا من الفقير .
هامش
( 1 ) في المعاني الكبير 217 : ( سألت الرياشي عن قوله : « جواعرها ثمان » ، فقال الجواعر أربع في رقمتي الحمار مواصل أطراف عظام ، وأراه أراد زيادة في خلقها ) .
( 2 ) البيت لعوف بن عطية بن الخرع في المفضليات 414 ، والسمط 633 ، وأدب الكاتب 127 ، والكامل 1014 ، وسيأتي شرح المؤلف لهذا البيت في ص 433 ، 498 ، 505 .
( 3 ) أدب الكاتب ص 34 .
( 4 ) انظر مثل هذا القول في الفروق اللغوية 188 - 189 ، واللسان ( فقر - سكن ) .
( 5 ) ديوانه 64 ، وسيعاد مع تخريج أو في حيث سيشرحه ابن السيد ص 434 .
( 6 ) البلد : 16 .