تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وأما ما احتج به ابن قتيبة من قوله صلى اللّه عليه وسلم في صفة أهل الجنة ، « لا يبولون ولا يتغوّطون ، إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك » « 1 » ، فليست فيه حجة بينة لأن العرب تسمي المواضع التي تعرق من الجسد أعراضا ، والعرض الذي وقع فيه الخلاف ليس هذا ، لأن العرض لفظة مشتركة تقع لمعان شتى ، لا خلاف فيها بين اللغويين . وإنما وقع الخلاف في العرض الذي يمدح به الإنسان أو يذم . وهكذا بيت حسان بن ثابت « 2 » : [ من الوافر ]
فإنّ أبي ووالده وعرضي * لعرض محمّد منكم وقاء
ليست فيه حجة ظاهرة ، لأنه لا يجوز لقائل أن يقول : إنه أراد : فإن أبي ووالده وآبائي ، فأتى بالعموم بعد الخصوص ، كما قال سبحانه وتعالى :
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
« 3 » . فخصص المثاني بالذكر تشريفا لها وإشارة بذكرها ، ثم أتى بعد ذلك بالقرآن العام لها ولغيرها ونحو ذلك مما خصص فيه الشيء تنويها به ؛ وإن كان قد دخل مع غيره في عموم اللفظ قوله جل جلاله :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ
« 4 » وقوله عزّ وجلّ :
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
« 5 » . ونحوه من الشعر قول الشاعر « 6 » : [ من الطويل ]
أكرّ عليهم دعلجا ولبانه * إذا ما اشتكى وقع الرّياح تحمحما
[ 113 ] ودعلج : فرسه ، ولبانه : موضع اللبب من صدره ، وإذا كرّ الفرس فقد كرّ صدره معه . ولكنه لما كان اعتماد الفرس على مقادمه ، خصص اللّبان بالذكر تنويها به . ومن أبين ما يحتج به من قال إنّ عرض الرجل حسبه وشرفه ؛ قول مسكين الدارمي « 7 » : [ من الرمل ]
ربّ مهزول سمين عرضه * وسمين الجسم مهزول الحسب
هامش
( 1 ) ورد الحديث في النهاية 3 / 209 ( عرض ) ، وعمدة الحفاظ 3 / 56 ( عرض ) . ( 2 ) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه 64 ، وأدب الكاتب 32 ، وشرح الجواليقي 139 ، والأغاني 4 / 139 ، والتاج 18 / 395 ( عرض ) ، وعمدة الحفاظ 3 / 56 ( عرض ) ، واللسان 7 / 170 ( عرض ) ، وأمالي المرتضى 1 / 632 ، وسيعاد البيت في ص 430 . ( 3 ) الحجر : 87 . ( 4 ) البقرة : 98 . ( 5 ) الرحمن : 68 . ( 6 ) البيت لعامر بن الطفيل في ديوانه 134 ، واللسان 2 / 272 ( دعلج ) ، والتاج 5 / 569 ( دعلج ) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 153 ، والسمط 353 ، والحلبة في أسماء الخيل 73 . ( 7 ) البيت لمسكين الدارمي في ديوانه 23 ، وأمالي القالي 1 / 118 ، واللسان 7 / 170 ( عرض ) ، والتاج 18 / 396 ( عرض ) ، وعمدة الحفاظ 3 / 56 ( عرض ) .
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 159 | محمد باسل عيون السود / عبد الله بن محمد البطليوسي