جميع العلوم بعد إحكامه لما يحتاج إليه في صناعته . وينبغي أن يكون أكثر عمله التواريخ ، وأخبار الملوك ، والسّير ، والدول ، والأمثال والأشعار . فإن الملوك إلى هذه الأنواع من العلم أميل ، وهم بها ألهج . وقلما يميلون إلى غير ذلك من العلوم .
وبالجملة : ينبغي لهذا الكاتب أن يجري إلى تعلّم الأشياء التي لا يعلم أن رئيسه يميل إليها ، ويحرص عليها ، وأن يتجنب كل ما ينكره الملك وينافره ، فإن ذلك يحبّبه إليه ، ويحظى بمنزلته لديه . ويدعو الملك إلى الإيثار له والتقريب ، والإغضاء على ما فيه من العيوب .
فقد روي « 1 » أن زيادا أخا معاوية ، عوتب في تقريبه لحارثة بن [ 82 ] بدر الغداني « 2 » ، وكان قد غلب على أمره ، حتى كان لا يحجب عنه شيئا من سره . فقيل له :
كيف تقربه وأنت تعلم اشتهاره بشرب الخمر ؟ فقال : كيف لي باطّراح رجل كان يسايرني حين دخلت العراق ، ولم يصكّ ركابي ركاباه ، ولا تقدّمني فنظرت إلى قفاه ، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه ، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قط ، ولا الرّوح في صيف قط ، ولا سألته عن علم إلّا ظننت أنه لا يحسن غيره .
وإذا اجتمع للكاتب مع التفنن في المعارف ، والعلوم ، والعفاف ، ونزاهة النفس عن القبائح ، فقد تناهى في الفضل ، وجاز غاية النبل ، إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) ورد الخبر في الأغاني 8 / 416 برواية مختلفة .
( 2 ) في « ط » : ( العدواني ) .