ولأجل هذا رأى قوم من الكتّاب أن يجعلوا مكان تضمين الغلّات تضمين الأرض . وكانوا يتأولون في ضمان الأرحاء ، أن ماءها ماء الخراج ، فيجعلون الجباية منها لمّا كانت مشتركة بين المسلمين .
وأصحاب الدواوين كانوا يجعلون تاريخ الخراج بحساب الشمس ، لا بحساب القمر ، لأن الشهور القمرية تنتقل . والشمسية لا تنتقل .
وكان كثير من الكتّاب إذا ذكروا الحساب الشمسي ، يزيدون في ذلك أن يقولوا :
ويوافق ذلك من شهور العرب شهر كذا ، من سنة كذا ، من سني الهجرة ، إذ « 1 » كان التاريخ عند الحكام بالسنين العربية دون الأعجمية .
كاتب الشرطة
وأما كاتب الشرطة فينبغي له أن يعلم أن صاحبه إنما وضع لشيئين :
أحدهما : معونة الحكام وأصحاب المظالم والدواوين ، في حبس من أمروه بحبسه وإطلاق من أمروه [ 81 ] بإطلاقه . وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه . وإخراج الأيدي مما دخلت فيه وإقرارها ، ولذلك جعل له اسم المعونة .
والثاني : النظر في أمور الجنايات ، وإقامة الحدود على من وجبت ، والعقوبات ، والفحص عن أهل الريب والمنكرات ، وتعزير من وجب تعزيره ، وإقامة الحدود على من وجبت إقامتها عليه ، من اللصوص ونحوهم . وإنما اشتق له اسم الشرطة من زيّه . وكان من زي أصحاب الشرطة نصب الأعلام على مجالس الشرطة ، والأشراط : هي الأعلام .
ومنه قيل : أشراط الساعة ؛ أي علاماتها ودلائلها ومنه سمي الشرط شرطا لأن لهم زيّا يعرفون به .
فينبغي لكاتب الشرطة أن يكون له علم بالحدود والواجبات ، والجروح والديات وحكم العمد ، وحكم الخطأ ، وسائر أصناف الحكومات ، ومن ينبغي أن يعاقب في الزلّات ومن تدرأ عنه الحدود بالشبهات ، وتقال عثرته من ذوي المناصب والهيئات ، ونحو ذلك .
كاتب التدبير
وأما كاتب التدبير : فهو أعظم الكتّاب مرتبة ، وأرفعهم منزلة ، لأنه كاتب السلطان الذي يكتب أسراره ، ويحضر مجالسه ، وهو الذي يدعى وزير الدولة المرجوع إليه في جميع أنواع الخدمة . وهذا الكاتب أحوج الكتّاب المذكورين إلى أن تكون له مشاركة في
هامش
( 1 ) في الأصل : ( ذا ) ، والسياق يقتضي ما أثبته .