وذلك أن الرئيس إذا قصّر به عما يستحقه ، أغضبه ذلك وأحنقه . والتابع متى زيد على استحقاقه أطغاه ذلك وأكفره . إلا أن يكون قد فعل في الخدمة ما يقتضي التنويه به « 1 » ورفعه عن تلك المنزلة إلى منزلة أعلى منها .
وليس في هذه الطبقات من لا تعاب الزيادة في مخاطبته إلا الصديق والحبيب فكل ما تخاطب به مما يمكّن المودة ، ويوطّد الألفة ، فإنه حسن وصواب .
فينبغي للكاتب أن ينزل كل واحد من هذه الطبقات في مرتبة تليق به ، على قدر منزلته منه ، وعلى ما جرت به عادة الكتّاب في زمانه . فإن العادات تختلف باختلاف الأزمنة ، فيستحسن أهل كل زمان ما لا يستحسنه غيرهم .
وللنساء مراتب في مخاطبتهن ، ينبغي للكاتب أن يعرفها ، [ 70 ] فمن ذلك أنه لا ينبغي للكاتب أن يدعو لهن بالكرامة ، ولا بالسعادة ، لأن كرامة المرأة وسعادتها موتها عندهن . ولا يقال لواحدة منهن : أتمّ اللّه نعمه عليك ، لأنهن ينكرن أن يكون شيء عليهن .
ولا يقال : جعلني اللّه فداءك ، ولا قدّمني إلى الموت قبلك ، لأن هذا يجري مجرى المغازلة . ولا يقال لواحدة منهن : بلّغني اللّه أملي فيك ، لاستقباحهن أن يكون شيء فيهن .
وبالجملة فينبغي للكاتب إليهن ، أن يتجنّب كل لفظة يقع فيها اشتراك ؛ ويمكن أن تتأوّل على ما يقبح . فإنّ ذلك يعدّ من حذقه ونبله .
كاتب العقد
وهو كاتب الحساب . وكتّاب الحساب ثلاثة : كاتب مجلس ، وكاتب عامل ، وكاتب جيش ؛ فيعمّ هؤلاء الثلاثة أنهم محتاجون إلى أن يكونوا عارفين بالتقدير ، حتى يعلموا التجميل « 2 » والتفصيل . وما ينبغي أن يخرجوه من الرؤوس في الأعمال ، وما ينبغي أن يكون في حشو الكلام « 3 » .
وأن يكونوا محتاطين في ألفاظهم ، حتى تصحّ معانيها ، ولا يقع اشتراك فيها وأن يكونوا ضابطين لما يشرعون فيه من فنون الحساب حتى لا يقع الخطأ فيه ، وإن خفّت أيديهم في العقد والحساب وأسرعت ، كان ذلك أنبل لهم ، وأزيد في كلامهم . ويحتاجون من الحساب إلى معرفة الجمع والتفريق والتضعيف والتصريف والنسبة .
ومعنى التضعيف : الحذق بضرب الأعداد بعضها في بعض .
هامش
( 1 ) في « ط » : ( ما يقتضي ورفعه تلك المنزلة ) .
( 2 ) أجمل الحساب : رده إلى الجملة .
( 3 ) في « ط » : ( حشوا في الكلام ) .