ولكن لما كان دررا منثورة في عجاج بحر العمان ، غير منتظم في سلك القواعد والبيان ، دعاني الحدب على أهل الإرب والأدب إلى جمعه في قوانين الضبط والبيان بقدر الوسع والامكان ، وان كنت بمراحل من جانب التصدي لهذا الخطب العظيم الشان . ولكن دونت هذا المختصر في علم التاريخ تحفة مني إلى الاخوان تحفة النملة إلى سليمان » « 41 » . ثم بين انه مستحق للتدوين أي استحقاق ، يعني لانتشار كتبه في سائر الآفاق ، وكذا دونه كما قال تدوينا حسنا مقبولا قبولا بينا ، ليكون منقولا إلى الصدور والأقوام ، باقيا على ممر الأيام والأعوام ، مذكورا باللسان ، محفوظا بالجنان ، وتذكرة وتشويقا إلى الاتيان بمثله في كل مكان وزمان ، واتيانا بموجب القول الذي قد شاع وذاع ( كل خط ليس في القرطاس ضاع ، كل شيء جاوز الاثنين شاع ) « 42 » فالتاريخ من المهمات العظام ، مقبول عند الأنام ، مشتمل على فكر وعبر ، ومنطو على مصالح ومحاسن على وجه معتبر . ولولاه لم يصل الينا لا خبر ولا اثر . وهو غذاء الأرواح والأشباح ، خزانة أخبار الناس والرجال ، معدن العجائب والغرائب والروايات والأمثال ، زين الأديب وعمدة اللبيب ، عون المحدث وذخر الأديب ، يحتاج اليه الملك والوزير والقائد البصير وغيرهم ممن عز امرهم . أما الملك فيعتبر بما مضى من الدول ومن سلف من الأمم . واما الوزير 250 فيعتبر بفعال من تقدم ممن حاز فضلي السيف والقلم . واما قائد الجيوش فيطلع به على مكايد الحرب ومواقف الطعن والضرب .
واما غيرهم فيستمعونه على سبيل المسامرة فيحصل لهم بذلك إلى أنواع الخيرات ، والاجتناب عن المنكرات ، المبادرة . ولأجل هذا
هامش
( 41 ) الكافيجي أدناه ص 468 فما بعد . اما امر سليمان والنمل فهو يشير إلى سورة النمل آية 18 .
( 42 ) الكافيجي . أدناه ص 477 .