تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وأرفعك عن مضاجع المغترّين ، دعني من حكايات المتشاكلين ورقى الخدّاعين ، فما زال الناس يحفظون أموالهم عن مواضع السّرف ويجنّبونها وجوه التبذير ، فخذ فيما تعلم ودعنا ممّا لا تعلم . هل رأيت أحدا قطّ أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره ، سلّم عليهم حين افتقر فردّوا عليه السلام . أو لست قد رأيتهم بين محمّق له ومحتجب عنه . ثم لعلّ بعضهم أن يتجنّى عليه ذنوبا يجعلها عذرا لمنعه وسببا لحرمانه . قال الشاعر : [ من الوافر ]
لحفظ المال خير من لغات * وسير في البلاد بغير زاد وإصلاح القليل يزيد فيه * ولا يبقى الكثير مع الفساد
وأصيب روزنامج لبعض الفرس مكتوب على ظهره : « العاقل يصون ماله كما يصون حرمه ويغار عليه كما يغار عليهنّ وإذا فعل ذلك حمد أمره وسعد جدّه » . قال مؤلّف هذا الكتاب : كنت جالسا يوما بطرابلس الشام في السوق فإذا مع المنادي فضّة مكسّرة وفي جملتها درهم حرق صحيح وزنه ، يزيد على مثقال ، على أحد وجهيه صورة ثور وفي الوجه الآخر صورة فارس على فرس مسرج ملجم في نهاية الحسن ، وعلى الوجهين كتابة لا أعرفها ، فاشتريت الفضّة من المنادي وبقي الدرهم في يدي أقلّبه ، فرآه معي رجل من أهل العلم عجميّ فقال : أنا أعرف هذه السكّة وهي من ضرب بلاد الهند ويتعامل بها في غزنة وأنشدني أشعارا قيلت في هذا الدرهم بالعجمية ، ثم قال : وترجمة المكتوب بالهندية في الوجه الذي عليه صورة الفرس هي « من حفظ هذا الدرهم فلم يخرجه إلّا في وجه لازم بمقتضى العقل والدّين فمثله كمثل الفارس تحته الجواد المطواع ، واقتداره على التصرّف حيث أراد . وترجمة المكتوب على الوجه الذي عليه صورة
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 80 | جعفر بن علي الدمشقي / محمود الأرناؤوط