تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨

فصل في النّهي عن إضاعة المال والتفريط فيه

كتب بعض الأدباء إلى أخ له ورث مالا جليلا فصحب قوما لا خير فيهم ولا خلاق لهم : « أما بعد فإنّي أراك قد هملجت « 1 » فيما كنت أحبّ أن تعنق « 2 » فيه وألنت جناحا للتصابي ، وملّكت نفسك من اصفيتهم ودّك وأحببتهم بكلّ قلبك ، ودخلت مدخلا لا أراك تقوى عليه ، وسلكت مسلكا قد أضلّ من هو أحزم منك ، فعند انكشاف الغمرات تعلم من الصريع غدا ، ووقت الحقيقة ينهزم المخذول . واعلم أنّ الأيّام تنجلي عنك أخبث انجلاء وتدعك حليف جهل أليف خطأ ، فارجع - رحمك اللّه - قبل أن تدرك الندم ، واحذر انقضاء لذّة لا تتمّ . كأنّك كنت في حلم وملّ عن الداعي ، وفرّ حيث لا ينفعك رفيق ولا يغشاك صديق ن بل يتركونك سليب نعمتك وفقيد شهوتك وقرين ندامتك وجليس فكرتك ، قد ذهب مالك ، وتغيّرت أحوالك ، وكثر عذّالك . وأنت لا هي القلب مشغول الذهن مختلّ الفكرة ، فإن تسمع وتصنع رجوت أن تفعل وإلّا فإنّي وإيّاك كما قال الشاعر : [ من الوافر ]
لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي
واعلم يا مغرور أنّ من تصحبهم يقصدون صحبتك برفق وحذق ، وأنت تصحبهم بسلامة وخرق ، فاحذر : وإيّاك [ و ] الاكتراث بقولهم « : اللّه يعلم كيف محبّتنا لك يا مولانا وسيّدنا ، ومن نحن خدمه وغلمانه
هامش
( 1 ) في الأصل : « همجلت » والصواب ما أثبته . قال ابن منظور في « لسان العرب » ( هملج ) : الهملاج : الحسن السير في سرعة وبخثرة . ( 2 ) قال ابن منظور في « لسان العرب » ( عنق ) : والعنق من السير : المنبسط .