وأوصى بعض الحكماء ولده فقال : يا بنيّ عليك بطلب العلم وجمع المال فإنّ الناس طائفتان خاصّة خالصة وعامّة رعاع ، فالخاصّة تكرمك للعلم والعامّة تكرمك للمال ، واعلم أنّه قلّ شيء لم يزدد الا نقص والنقصان يلحق الكثير كما تلحق الزيادة القليل .
وفي كتاب « كليلة ودمنة » « 1 » إنّ صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لا يدركها إلّا بأربعة أشياء : فإمّا المطلوبات الثلاثة : فالسّعة في المعاش ، والمنزلة في الدنيا ، والزاد في الآخرة . وأمّا أسبابها الأربعة [ التي تحتاج إليها في دركها ] فاكتساب المال من معروف وجوهه ، وحسن القيام عليه وعلى ما اكتسب منه . والتثمير له [ بعد اكتسابه ] ، وإنفاقه فيما [ يصلح المعيشة و ] يرضي الأهل والإخوان ، وما يعود في الآخرة نفعه ، فمن أضاع شيئا من هذه الخلال الأربع لم يدرك ما أراد ، فإذا لم يكتسب ولم يكن له مال لم يعش ولم يعش به ، وإذا كان ذا مال وذا اكتساب ولم يحسن القيام عليه أوشك أن يفنى ، وإن هو أنفقه ولم يثمّره ، لم تمنعه قلّة الإنفاق من سرعة النّفاد ، كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلّا مثل الغبار ، ثم هو سريع النّفاد ، [ ثم إن كانت نفقته في غير مواضع الحقوق اكتسب المذمّة ، وصار إلى عواقب الندامة ] ، وإن هو اكتسب وثمر وأصلح وأمسك عن الإنفاق في أبوابه ومواضعه الواجبة حقّا كان فقيرا كالذي لا مال له ، ثم لا يمنع ذلك ماله أن يغادره ويذهب حتى لا يدرك منه شيئا كالحوض الذي لا يزال ينصب الماء فيه فإذا لم يكن له مفيض ومخرج خرج من أماكن شتّى فذهب [ الماء ] ضياعا .
هامش
( 1 ) انظر « كليلة ودمنة » ص ( 43 - 44 ) مع بعض الخلاف في ألفاظه عما أورده المؤلّف هنا وما بين الحاصرتين زيادة منه .