والسرف والبذخ وسوء التدبير .
فأمّا اللؤم فهو يا أخي الإمساك عن أبواب الجميل مثل مواساة القرابة والإفضال على الصديق وتفقّد ذوي الحرمات وتعاهد أبواب البرّ مثل الصدقة على محاويج الناس وكلّ ذلك على قدر الإمكان والوسع والطاقة وأمّا التقتير فبالتضييق فيما لا بدّ منه ولا مدفع له مثل أقوات الأهل ومصالح العيال . وأمّا السرف فهو الانهماك في اللّذات واتّباع الشهوات ، وأمّا البذخ فهو أن يتعدّى الرجل ما يتّخذه أهل طبقته وطوره فيما يتغذّى به أو ما عساه أن يلبسه طلبا للمباهاة ، وأمّا سوء التدبير فأنّ لا يوزّع نفقته في جميع حوائجه على التقسيط والاستواء حتى يصرف إلى كلّ باب منها قدر استحقاقه فإنّه متى لم يفعل ذلك وأسرف في واحد وقصّر في آخر لم تتشاكل أموره ولم تنتظم أحواله ولم يشبه بعضها بعضا ، ومن سوء التدبير أيضا أن لا يتقدّم في اتّخاذ الشيء الذي يحتاج إليه عند كثرته وإمكانه والأمن من فسّاد يعرض له فيؤخّر ذلك إلى حين تدعوه إليه الحاجة مع شدّة الاضطرار فيأخذه كيفما اتّفق وبما كان من الأثمان ويزول عن حكم الاختيار .
ومن سوء التدبير أيضا أن يتقدّم في اتّخاذ ما يحتاج إليه لمدّة يفسد فيها كشرائه قبل أوان الحاجة إليه أو يتلف بإهماله لصيانته وترك الحوطة عليه فاللئيم يؤتى من قبل جهله بالجميل وقلّة معرفته بقدره وفضيلته ، والمقتر يؤتى من قبل أنّه لا يعرف أبواب الواجب ويجهل العدل وما في تركه من النقص ، والمسرف يؤتى من قبل إيثاره اللذّة على صواب الرأي ، فاللئيم والمسرف ممقوتان عند الناس لأنّهما على طرف من الجور ، والمسرف مذموم عند الخاصة بجهله وعند العامّة بنوع من الحسد له ، وصاحب البذخ أسوأ حالا من الجميع لأنّ اللئيم والمقتر وإن كان الناس يمقتونهما فإنّهما على حال
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 74
مساهمون: جعفر بن علي الدمشقي
ص٧٤