تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣

فصل في أحد أصناف التّجّار وهو الخزّان « 1 »

اعلم يا أخي - وفّقك اللّه لما يحبّ ويرضى - أنّ قانون أمر الخزّان أن يشتري الشيء في إبانه وتواتر حمله وكثرة البائعين له وقلّة الطالبين ثم إحكام حفظه والتربّص به إلى أضداد هذه الأشياء أعني انقطاع وصوله وتعذّر حمله وبعد وقته وكثرة طلّابه . هذا الصنف من التجّار أحوج الناس إلى تقديم المعرفة بأحوال البضائع في أماكنها وبلادها وكثرتها فيها أو قلّتها ورخصها أو غلائها وتوفّر ريعها وسلامته أو نقصانه أو عطبه وانقطاع الطريق أو أمنها وذلك باستطلاع الأخبار والتقصّي من الرّكبان فإنّه ما نفقت قطّ بضاعة من كثرة وإنّما تنفق من قلّتها بالإضافة إلى طلّابها . وقيل إنّ عبد اللّه المأمون بن هارون الرشيد من ولد العباس عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوما لأحمد بن يوسف الكاتب : إنّي أرى هذه السنة وما يتناهى من كثرة العمارة فيها ستؤدّي إلى اتّضاع الأسعار ورخصها إلى أتمّ رخص ، فاكتب عنّا إلى العمّال بالمبادرة ببيع غلّات أعمالهم فكتب أحمد بن يوسف كتابا في هذا المعنى فأطاله فلمّا وقف عليه عبد اللّه المأمون ولم يرضه فقلبه وكتب على ظهره بخطّه . أمّا بعد : فإنّ للأمور أوائل يستدلّ بها على أواخرها ومخايل تنبىء عمّا يؤول الحال إليه عند نافيها وربّما كذبت الدليلة وأخطأت المخيلة ، إلّا أنّ الاستظهار سلامة من الاعتذار وإنّ أمير المؤمنين بما علمه من
هامش
( 1 ) قلت : وهو ما يعرف في أيامنا ب ( المحتكر ) .