والبيع فإنّه إن كان وحيدا تأذّى قلبه وجسمه وطمع في سرقة ماله الجمّالون والحمّالون والبحرية وكلّ من يجري مجراهم ممّن يحتاج إلى معونته بسببها في التنقّل ، فالأصلح لمن كان وحيدا من التّجّار أن يعتمد على الخفيف الذي يمكنه الاحتياط عليه بنفسه .
وأصل التجارة في البيع والشراء أن يشتري من زاهد أو مضطرّ إلى أخذ الثمن ويبيع من راغب أو محتاج إلى الشراء لأنّ ذلك من أوكد الأسباب إلى مكان الاستصلاح في المشتري وتوفّر الربح . ويحتاج التاجر أن يكون معه من سوء الظنّ مثل ما معه من حسن الظنّ فإنّه إذا ساء ظنّه كان سببا لحفظ رأس ماله وإنّ حسن ظنّه أخطر به وكان ما يخشى عليه زائدا على مقدار ما يرجي له .
وليعلم أنّ إفراط الحرص في طلب الفائدة ربّما كان سببا للحرمان وأنّ شدّة الاجتهاد في طلب الربح طريق إلى الخسران . والدليل على ذلك أنّ بين شراء الراغب الحريص وبين شراء قليل الرغبة الشافي نفسه من كلب الحرص المعتق لها من رقّ عبوديّة الشهوة بونا بعيدا وتفاوتا كثيرا وبمثله تكون التجارة لأنّ من اشتدّ حرصه عمي عن جميع مراشده وفقد الحكمة ومال إلى الهوى وعدل عن حكم العقل وخير الأمور ما سرّ عاجله وحسنت عاقبته .
ويجب على التاجر إذا رأى البركة في نوع من الأنواع أو جهة من الجهات أن يلزم ذلك الشيء ما خلا ما فيه إشراف على خطر أو خوف استدراج فإنّه قد يكون من قسمة الإنسان توفّر الحظّ له في ذلك النوع .
وقد جاء في الخبر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قام إليه في بعض الأيّام رجل فقال :
إنّ معيشته التجارة وهو محارف فيها لا يشتري شيئا إلّا كسد أو فسد عنده ،
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 60
مساهمون: جعفر بن علي الدمشقي
ص٦٠