تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
فالجواب أنّهما بغلام الطبيب أشبه . ألا ترى أنّ الملك قد يأمر بقتل أهل الفساد وإقامة الحدّ وينسب ذلك الفعل إليه وإن كان المتولّي لذلك أخسّ الرجال ولو اتّفق أن يقتل الملك بيده لم يجز أن يقال قد وقع التساوي بين الملك وذلك الرجل لاتّفاقهما في الفعل . والرئاسة التي تنال بها الحال الدنيوية مقسومة بين السيف والقلم . فأمّا رئاسة السيف فللملوك والأمراء والحجّاب وقوّاد العساكر ووجوه العشائر ورؤساء القبائل . وأمّا رئاسة القلم فللوزراء والكتّاب والقضاة والخطباء ومن يجري مجراهم . وأصحاب السيوف هم الحماة ، وأصحاب الأقلام هم الكفاة ، وكلّ صناعة غير هاتين فليس يذكر صاحبها بعزّ قال الشاعر : [ من الكامل ]
لا تطلبنّ معيشة بمذلّة * فليأتينك رزقك المقدور
وقال آخر أيضا يرثي : [ من الطويل ]
أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنّك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحبّ الزاد إلّا من التقى * ولا المال إلّا من قنى وسيوف
وأمّا الصنائع العملية وهي المهن فقد قيل قديما . الصناعة في الكفّ أمان من الفقر وأمان من الغنى . وذلك أنّ الصانع بيده لا يكاد كسبه يقصر عن إقامة ما لا بدّ منه ولا يكاد كسبه يتّسع لاقتناء ضيعة أو عقد نعمة ، وأيضا فإنّه مع ذلك إذا ميّز الناس دخل في أدون طبقاتهم . وأمّا الصنائع التي كرهتها الحكماء الأخيار فمنها الصنائع المضرّة بالعقول والآراء وهي التي يخالط ذووها النساء والصبيان كثيرا ، ومنها الصنائع المضرّة بالأدمغة والأجسام مثل معاناة الأشياء المنتنة والسمك
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 57 | جعفر بن علي الدمشقي / محمود الأرناؤوط