فقال هدبة :
إنّ الدّهر مؤتنف طويل * وشرّ الخيل أقصرها عنانا
وشرّ القوم « 1 » كلّ فتى إذا ما * مرته الحرب بعد العصب لأنا
فمكث هدبة ما شاء اللّه حتى إذا برئ جمع لهم ، فخرج إليهم [ 108 ] بأصحابه ، فوجدوا : زيادة ، ورفيعا وأدرع ، ولم يجدوا من رجال الحيّ غيرهم .
فهرب رفيع وأدرع لما رأيا ما جمع القوم ، وأخذوا زيادة فجدعوه بسيوفهم حتى إذا ظنّوا أنهم قد قتلوه انصرفوا .
وقد كان زيادة ذبّ عن نفسه بالسّيف فأصاب هدبة فجدع أنفه ، فلما خلّفوا الحيّ وأشرفوا على الثنية ، وجد هدبة شفيف الرّيح في أنفه ، فذهب ينظر فإذا أنفه قد جدع ، فقال لأصحابه : انتظروا حتى آتيكم ، فو اللّه لا أعيش أبدا ورجل قد جدع أنفي ، فرجع إلى زيادة وهو يقول :
أحوس في الحي والرمح خطل * ما أحسن الموت إذا الموت نزل
قد علمت أني إلي الهيجا عجل * إني أمرؤ لا أقرب الضّيم بعلّ
فقتله وأدرك أصحابه .
ثم إن هدبة أخذ أهله فجعل يؤامر نفسه : إمّا يأتي القوم فيضع يده في أيديهم أو في يد السّلطان .
فأقبل حتى وضع يده في يد سعيد بن العاص - وهو عامل معاوية على المدينة - فأطلق من كان في سجنه بسببه وسجنه هو ، فقال في السجن أشعارا كثيرة .
ثم عزل سعيد وولي مروان بن الحكم مكانه وإن بني عمه قالوا : لو زوجناه لعل اللّه أن يبقي منه خلفا ، فزوجوه ، وأدخلوا عليه امرأته في السجن
هامش
( 1 ) في " الشعر والشعراء " الناس .