حدّثنا بذلك إبراهيم بن المدبر ، وهذا رأى لم يكن القدماء يرونه ، بل كانوا يخاطبون الخلفاء بالنفدية فضلا عن الوزراء
وحدّثنى محمد بن يزيد المبرد قال سأل المأمون أبا محمد يحيى ابن المبارك عن شيء فقال له « لا ، وجعلني اللّه فداءك يا أمير المؤمنين » فقال : للّه درك ما وضعت واوقط موضعا أحسن من موضعها في لفظك . ووصله وجمله
قال : وهذا لفضل أدب المأمون . علم أن الفدية من أخلص الدعاء ، والطف التوسل ، وأن غاية موجود الانسان وأنفس ذخائره نفسه ، جلت أم قلت . وقد قرىء في الكتاب خير الأولين والآخرين ، وأجلهم قدرا ، وأعظمهم خطرا ، محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قال له حسان بن ثابت في جوابه لأبى سفيان ابن حرب :
هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند اللّه في ذاك الجزاء « 1 »
اتهجوه ولست له بند * فشركما لخيركما الفداء « 2 »
هامش
( 1 ) الجزاء المكافأة على الشئ بالخير أو الشر قال تعالى« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » .وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين سمعه قال « جزاؤك على اللّه الحنة يا حسان »
( 2 ) الند بالكسر المثل والنظير . والاستفهام للانكار أي ما كان ينبغي لك ان تهجوه ولست من نظرائه وأمثاله فلم تنصفه . وقوله « فشركما لخيركما الفداء » مع علمه ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرهما بلا ريبة ولا شك ؛ جاء على أسلوب الكلام المنصف وهو ان ينصف المتكلم من نفسه أو ممن يتكلم من جهته فيضطر السامع إلى الاذعان له ولا يجد سبيلا لانكاره والمنازعة فيه نحو «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» فان من المعلوم ان المتكلم ومن معه على هدى وان المخاطبين في ضلال وانما ابهم الامر بين الفريقين ليكون ادعى للمخاطب إلى الاذعان للحق وترك العناد حيث يرى المتكلم ساوى بينه وبين نفسه فانصفه