ولا ينازعني أحد في حقوق السّياسة « 1 » ؛ فإني كاتب ركن الدّولة ، وزعيم الأولياء بالحضرة ، والقيّم بمصالح المملكة - فقد أهبت « 2 » الناس إلى بابك ، وأغريتهم بخدمتك ، وأطمعتهم في مالك ، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال ، وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال . فأنا ذلك السّامع برياستك ، والشاهد بفضلك ، والراغب في خدمتك ، والراجي لخيرك ؛ سمعت فأجبت ، وحضرت فمدحت ، ووقفت فأثنيت ؛ وأصغيت فقبلت « 3 » ؛ وأدّيت فاستحسنت ؛ ولم يبق بعد هذا كلّه إلّا أن [ لا ] « 4 » يكون عطاؤك حرمانا ، ووعدك ليّانا ؛ ولا جودك انتحالا ، ولا فتوّتك اقتيالا « 5 » ، ولا ماؤك سرابا ، ولا جودك ضبابا ؛ ولا خدمتك مندمة ، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة .
وإن الرجل الحرّ متى علم أن صاحبه لئيم الطّباع ، خسيس الخلق ، مرقّع المنصب ، ملبوس المحتد ، وأن اللّه تعالى لم يجعله من معادن الرّزق ، ولا من أبواب النّجاح ، فإنه لا يطمع فيه ، ولا يتواضع له ، ولا يعدّه فيمن
هامش
( 1 ) في الوفيات : « خلق في أحكام السياسة » .
( 2 ) أهبت : دعوت .
( 3 ) في الأصل : « فسمعت » ، وفوقها : « فقبلت » .
( 5 ) تكملة تقتضيها صحة الكلام .
( 4 ) الاقتيال : الادّعاء والتحكم .