تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
والأدبية ، ليتتبعوا بلذة وشغف طريقة القرآن في الأداء والتعبير . وأول ما ينبغي معرفته من هذه المصطلحات منطوق القرآن ومفهومه ، لأنهما يفصّلان أنواع الدلالة القرآنية المستفادة من اللفظ والمستنبطة من المعنى ، فيشملان النصّ والظاهر والمؤوّل ، وفحوى الخطاب ولحنه ، ومعاني الوصف والشرط والحصر . وسنوضح هذه المسألة « بنماذج » مختلفة نجمعها مما تفرق في ثنايا كتاب اللّه الحكيم . قالوا في تعريف المنطوق : « إنه ما دل عليه اللفظ في محل النطق « 1 » » فلاحظوا في تعريفه أنّ التلفّظ بالآية هو وحده منفذنا إلى دلالتها . وذلك واضح جدا في « النص » الذي لا يحتمل اللفظ غيره ، كدلالة قوله تعالى :
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
« 2 » ، فلا يمكن أن يحتمل اللفظ غير كمال الأيام العشرة التي نطقت بها الآية ونصت عليها . وحتى ما يسمى « بالظاهر » الذي يفيد معنى متبادرا مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا ، هو نوع من المنطوق ، لأن دلالته على معناه المتبادر الراجح إنما تتمّ في محل النطق نفسه ، لأن الراجح من اللفظ المنطوق يقدم على مرجوحه ، يوضح ذلك قوله تعالى :
« فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ »
« 3 » فالباغي يطلق على معنيين ، أحدهما مرجوح وهو الجاهل ، والثاني راجح وهو الظالم ، لأنّه هو الظاهر المتبادر من سياقه الآية « 4 » . و « المؤوّل » الذي يستحيل حمله على ظاهره فيصرف إلى معنى آخر يعينه السياق هو كذلك نوع من المنطوق ، لأن ظاهره المستحيل مرجوح ، ومعناه الذي يعنيه السياق راجح يكاد اللفظ نفسه ينطق به وينبئ عنه ، من ذلك قوله تعالى :
هامش
( 1 ) الاتقان 2 / 52 . ( 2 ) سورة البقرة 196 . ( 3 ) سورة الأنعام 145 . ( 4 ) البرهان 2 / 206 .