تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسائل نافع بن الأزرق دراسة قرآنية لغوية وبيانية — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
. . . حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
. وفيما عدا هذه الآيات الأربع ، جاءت المادة في معنى الغنى ، نقيض الفقر والحاجة . تأويل « كأن لم يغنوا فيها » في ( وق : ) كأن لم يعمروا ، أولى من : كأن لم يكونوا . والشائع في : غنى بالمكان ، أنه بمعنى أقام . وإليه ذهب ابن الأثير في حديث علىّ كرم اللّه وجهه : « ورجل سماه الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما » قال : أي لم يلبث في العلم يوما تامّا ، من قولك : غنيت بالمكان أغنى ، إذا أقمت ( النهاية ) وهو لا يفيد معنى التعمير وهو صريح في الشاهدين لمهلهل ولبيد على أن بين ( لم يغنوا ) ولم يعمروا أو لم يقيموا ، فرقا دقيقا في الدلالة ، التفت إليه « الراغب » حين ربط الغنى في المكان بأصل دلالته في نقيض الحاجة والفقر . قال : غنى في المكان بمعنى طال مقامه فيه ، مستغنيا به عن غيره ( المفردات ) . ونضيف إليه ملحظا آخر من دلالة قرآنية خاصة : فالعربية تستعمل غنى بالمكان ولم يغن ، إيجابا ونفيا . ولم تأت الكلمة في القرآن إلا منفية ، في خبر ديار ثمود ومدين ، ومثل الحياة الدنيا . فكأن القرآن لا يرى مقاما في الدنيا ، يمكن أن يغنى أو يستغنى به . وإنما غرّ ثمود ومدين مقامهم بديارهم فأخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا جاثمين كأن لم يغنوا فيها . وهو السياق في مثل الحياة الدنيا ، « حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس » وفي هذا السياق لا تؤدى عمّر ، وأقام ، معنى « غنى » بما تفيد من وهم الغنى والاستغناء فيما نظنه مغنى ، إذ ليس من شأن الدنيا الفانية أن يكون فيها مغنى إلا غرورا ووهما . واللّه أعلم