طريقة السجع والوزن ، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة ؟ فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك ، لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلام » « 1 » .
ويوشك « الباقلاني » في احتجاجه لنفى السجع في القرآن ، أن يسلم بقدر منه فيه مما سماه السجع المعتدل ، وهذا القدر لا يكفى عنده لحمله على السجع ، كما لا يكفى وجود شطر أو بيت وبيتين من الشعر والرجز في الكلام ليكون شعرا .
ولا يبدو لنا قويّا واضحا ، وجه تفريقه بين الفواصل والسجع ، من حيث تفاوت المقاطع طولا وقصرا .
وليس حتما على من جوّز السجع في القرآن ، أن يسلم كما قال الباقلاني بمذهب أصحاب الاعتزال في الإعجاز بالصرفة ؛ فالمعتزلة أنفسهم نفوا السجع عن القرآن نفيا باتّا ، واحتج منهم « علي بن عيسى الرماني » لهذا النفي بأقوى مما احتج به الأشاعرة ؛ وعدّ الفواصل القرآنية من وجوه الإعجاز البلاغي للقرآن ، مميزا بينها وبين الأسجاع تمييزا واضحا .
ففي رسالته ( النكت في إعجاز القرآن ) عقد بابا خاصّا للفواصل ، عرفها فيه بأنها « حروف متشاكلة في المقاطع ، توجب إفهام المعاني » ثم استطرد شارحا :
« والفواصل بلاغة والأسجاع عيب . وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعانى تابعة لها ، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة ، إذ كان الغرض الذي هو حكمة ، إنما هو الإبانة عن المعاني التي إليها الحاجة ماسّة . فإذا كانت المشاكلة وصلة إليه فهي بلاغة ، وإذا كانت المشاكلة على خلاف ذلك فهو عيب ولكنه . . .
« وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة ، لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها . وإنما أخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة ، وذلك أنه ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة ، إذ كان المعنى لمّا تكلّف من
هامش
( 1 ) الباقلاني : إعجاز القرآن ، 86 - 100 .