لم يذكرها باسم الفواصل وإنما هي عنده رؤوس آيات . وقد تحاشى القول « بالسجع » فيها ، وإن ثبت على مذهبه في أن النظم القرآني يرعاها قصدا إلى الجرس الصوتي ومشاكلة المقاطع .
وحتى القرن الثالث للهجرة ، كان التحرج واضحا من القول بالسجع في القرآن ، وكأنما كان الحس المؤمن ينبو عن هذه الكلمة ، لكثرة ما أطلقت عن قديم على سجع الكهان .
لكن القضية ما لبثت أن دخلت معترك الجدل الكلامي بين الفرق الإسلامية فارتبطت بالإعجاز بالنظم ، وبدأت تستقل بمباحث مفردة .
قرر « الأشاعرة » نفى السجع عن القرآن ، وقالوا إنما هي فواصل . وعقد « الباقلاني » في كتابه ( إعجاز القرآن ) فصلا في نفى السجع عن القرآن بسط فيه مذهبهم في التفرقة بين السجع والفواصل . وقد بدأه بقوله :
« ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع عن القرآن . وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه . . . وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن . وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام ، وإنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة ، كالتجنيس والالتفات ، وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة . . وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير .
لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه ؛ « وهذا الذي يزعمونه غير صحيح . ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم . ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز . ولو جاز أن يقولوا :
سجع معجز . لجاز لهم أن يقولوا : شعر معجز . وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ؟ ونفيه عن القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر . لأن الكهانة تنافى النبوات وليس كذلك الشعر . وقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن - دية - الجنين : كيف ندى من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح فاستهل ، أليس دمه قد يطل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :
الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 254
مساهمون: عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ )
ص٢٥٤