وهكذا تتّصل تجلّيات الأمة الواحدة في مشاهد الحج الكبرى من الميقات إلى الطواف ، ومن الطواف إلى السعي ، ومن البيت الحرام إلى عرفة ، حيث يجتمع ملايين المسلمين في وادي عرفة ، توحّدهم عرفة ، وتوجههم إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة ، وتصفيهم من كلّ ذنوبهم ، بلا استثناء إلّا الشرك ، والقتل ، وحقوق الناس ، والبدعة في دين الله ، فإنّها لا تغتفر .
ويفيض الحجاج من عرفة إلى المشعر الحرام ، وقد تركوا وراءهم ركام ذنوبهم ومعاصيهم في هذا الوادي الشريف .
ثم مشهد المشعرالحرام ومشاهد رمي الجمرات في وادي منى ، وهو يرمز إلى جهد جمعي من جانب الحجاج كلهم لإقصاء الشيطان عن حياتهم ، ورجمه ، وإبعاده منهم .
ثمّ يأتي في نهاية هذه الجولة الصعبة من الميقات إلى منى « العيد الأكبر » الذي يحتفل به الحجاج جميعاً في منى ، وفي رحاب بيت الله ، وهو عيد الأضحى المبارك .
يوحّدهم في فرحتهم بنجاحهم في إقامة هذه الفريضة الصعبة في هذا البلد الذي اختاره الله لبيته الحرام .
إنّ أبرز شيء في الحركة العظيمة من الميقات إلى منى أمران : ( توحيد ) الله تعالى بالعبادة ؛ و ( توحيد ) حركة الأمة على خط توحيد الله ؛ ولا يحسّ الإنسان بهذه الأمة المباركة العظيمة ، كما يحسّ بها في مشاهد الحج العظيمة .
وكما يوحّد الحج خطاب هذه الأمة ، وحركتها ، ومظهرها ، ومضمونها ، كذلك يوحّد جهد هذه الأمة في مكافحة العوامل المعيقة ، لوحدة الأمة ، والفتن الطائفية التي تجعل من هذه الأمة الواحدة ، أمماً شتى متقاطعة ومتنافرة ، على خلاف ما يريده الله تعالى من عباده المؤمنين .
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة ) — صفحة 186
مساهمون: الشيخ محمد مهدي الآصفي
ص١٨٦