والشيطان إذا فشل في إفشال دور الحج وتأثيره العظيم في تكامل الحاج ، وتعبئته النفسية العالية التي تبلغ ذروتها في ( عرفة ) ، فإنه يتحوّل إلى الدور الثاني لإحباط مكاسب الحج عندما يعود الحاج إلى حياته المألوفة في ( البيت ) و ( الشارع ) و ( السوق ) ، وهي المراكز الثلاثة لحضور النّاس في الحياة الدنيا .
ونقصد بالبيت ، الحياة العائلية التي هي أحد أركان حياة الإنسان ، ونقصد بالشارع ، العلاقات الاجتماعية ( العلاقات العامة ) ، ونقصد بالسوق ، العمل الذي يدر معيشة الإنسان في السوق ، أو في الحقل ، أو في المصنع ، أو في دوائر الدولة ، في البر أو البحر .
ولهذه المراكز الثلاثة دور كبير في استهلاك الخزين النفسي الذي يختزنه الحاج في الحج ، وإحباط الحالة التعبوية النفسية العالية ، التي يكتسبها في هذه الرحلة .
إنّ الشيطان يبذل جهداً كبيراً لتسريب خزين الحج ، في تعامل الحاج في البيت ، والسوق ، والشارع ، مع أهله ، ومن خلال تجارته ، وعلاقاته الاجتماعية ؛ تماماً كما تتسرّب الحرارة عندما تكون في وسط بارد فاقد للحرارة ، في الأجسام الصلبة ، وفي السوائل والغازات ، ما لم يحفظ الحرارة جدار عازل ، يحفظ الحرارة من التسرّب .
ولا يتصور أحدٌ أننا ندعوا إلى أن يعتزل الحاج بيته ، وتجارته ، وعلاقاته الاجتماعية ، عندما يعود من الحج ، فليس هذا من دين الله في شيء . . . بل العكس هو الصحيح . . . فإنّ الحياة العائلية ، والعمل ، والتجارة ، والعلاقات الاجتماعية ، مما يدعو إليه الإسلام دعوة حثيثة .
وإنّما الذي ندعوا إليه بشكل دقيق ، هو أن نعرف كيف يحافظ المرء على خزين الحج ، وتعبئته النفسية العالية في وسط المراكز الثلاثة التي عددناها آنفاً ،
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة ) — صفحة 175
مساهمون: الشيخ محمد مهدي الآصفي
ص١٧٥