تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
وانّ الحكّام كانوا دائماً يفرضون رأيهم بالقوّة . انظر ما جاء في شذرات الذهب « 1 » : إنّ القادر العبّاسيّ حمل الناس في سنة 422 على الاعتقاد بما يراه في فضل الصحابة وتكفير المعتزلة بخلق القرآن ، وألّف كتاباً يتلى على الناس في كلّ جمعة ، كما إنّه حملهم بالقهر على الاعتقاد بالسنّة واستتابة من خالفه من المعتزلة والشيعة ، وأخذ خطوطهم بالتوبة وبعث بها إلى السلطان محمود يأمره ببثّ السنّة في خراسان . تلخّص ممّا سبق أنّ الحكّام سعوا إلى بثّ روح الفرقة بين أفراد الأُمّة بالتزامهم هذا المذهب ضدّ ذاك ، ونسبوا إلى معارضيهم من الشيعة سوء العقيدة والخروج عن الإسلام ، وأوعزوا إلى الوعّاظ في المساجد والكتّاب والقصّاصين توسعة رقعة هذا الخلاف بين المسلمين . ولا ينكر أحد بأنّ عناية السلطة بجهة ، أو فرقة تكسبها الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعيّ ، إذ إنّ الخضوع للسلطان أمر لا مفرّ منه . لو لم تتدخّل الحكومات في مثل هذه الأُمور لكان أعود على الأُمّة وأصلح لدينها ودنياها ، لكنّ الحكومات كانت ترى في وحدة المسلمين الخطر على مصالحها والوقوف على عيوبها والخروج عن طاعتها ، فرأت الاستعانة بهذا المذهب ضدّ ذاك ، وكان ذلك هو الخيار السهل الذي يمكن إشغال المسلمين به وجرّهم إلى النزاعات التي كانوا بعيدين عنها ممّا كدر صفو الأُمّة وشتّتها بعد الألفة . وقد أفصح التاريخ عن نيّاتهم السيّئة وما يقصدون من وراء ذلك وآزرهم رجال ابتعدوا عن الحقّ والإنسانيّة . وإنّ المطالع لو وقف على المجازر الطائفيّة وحتّى بين المذاهب الأربعة لعرف ما نقوله . وعلى أيّ حال فقد تفرّقت الأُمّة كما شاءت السياسة ، أو كما شاء ولاة الجور ، وحاولوا إعطاء هذه الفرقة أو تلك صفة شرعيّة مع أنّها بعيدة في
هامش
( 1 ) شذرات الذهب 3 : 222 و 186 وغيرها .
وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 370 | السيد علي الشهرستاني