انّي أستطيع أن أحكم بعد هذا بأنّ منع الاجتهاد قد حصل بطرق ظالمة ، وبوسائل القهر والإغراء بالمال . ولا شكّ أنّ هذه الوسائل لو قدّرت لغير المذاهب الأربعة التي نقلّدها الآن لبقي لها جمهور يقلّدها أيضاً ، ولكانت الآن مقبولة عند من ينكرها ، فنحن إذاً في حلٍّ من التقيّد بهذه المذاهب الأربعة التي فرضت علينا بتلك الوسائل الفاسدة ، وفي حلٍّ من العود إلى الاجتهاد في أحكام ديننا ، لأنّ منعه لم يكن إلّا بطرق القهر ، والإسلام لا يرضى إلّا بما يحصل بطريق الرضى والشورى بين المسلمين كما قال تعالى في الآية 28 من سورة الشورى :
« وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ »
« 1 »
.
3 - قال الدكتور عبد الدائم البقريّ الأنصاريّ :
منع الاجتهاد هو سرّ تأخّر المسلمين ، وهذا هو الباب المرن الذي عندما قفل تأخّر المسلمون بقدر ما تقدّم العالم ، فأضحى ما وضعه السابقون لا يمكن أن يغيّر ويبدّل لأنّه لاعتبارات سياسيّة . منع الولاة والسلاطين الاجتهاد حتّى يحفظوا ملكهم ، ويطمئنّوا إلى انّه لن يعارضهم معارض ، وإذا ما عارضهم أحد فلن يسمع قوله ، لأنّ باب الاجتهاد قد أُغلق ، لهذا جمد التشريع الإسلاميّ الآن ، وما التشريع إلّا روح الجماعة وحياة الأُمّة . وانّي أرجع الفتنة الشعواء التي حصلت في عهد الخليفة عثمان والتي كانت سبباً في وقف الفتح الإسلاميّ حيث تحوّلت في عهده الحرب الخارجيّة إلى حرب داخليّة ، أرجع ذلك إلى انّ عثمان كان من المحافظين ، وقد شرط ذلك على نفسه عندما وافق عبد الرحمن بن عوف على لزوم الاقتداء بالشيخين في كلّ ما يعني دون اجتهاد ، عند انتخابه خليفة ، ولم يوافق الإمام عليّ على ذلك حينئذٍ قائلًا : إنّ الزمن قد تغيّر ، فكان سبب تولّي عثمان الخلافة هو سبب سقوطه « 2 » .
هامش
( 1 ) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 178 ، عن ميدان الاجتهاد : 14 .
( 2 ) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 179 ، عن الفلسفة السياسيّة للإسلام : 21 .