فمدرسة أهل البيت لم تكن كغيرها من المذاهب الحكوميّة بل كانت لها سماتها الخاصّة ، وعرفت باستقلالها الفكريّ وعدم خضوعها لنظام السلطة ، بل في رؤاها تضادّ مع خلفاء الجور ولا تسمح « لأُولي الأمر ! » أن يتدخّلوا في شؤونها وتوجيه فكرها بل إنّ أهل البيت دعوا شيعتهم للابتعاد عن الخلفاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وانّ بقاء مذهب كهذا رغم كلّ هذه الملابسات يرجع إلى قوّته الروحيّة وملكاته الربّانيّة ، وانّ أمر انتشار غيره من المذاهب لم يكن مثله ، وقد قرأت عن تلك المذاهب وانّها ترجع إلى المقوّمات الجانبيّة فيها كتولّيهم للقضاء . وقد رأينا انّ هذه المذاهب نفسها تختلف شدّة وضعفاً لما أُنيط بأصحابها من القضاء والافتاء ، فالمذهب الحنفيّ يقوى عندما يكون أبو يوسف وجيهاً في الدولة مقبولًا عند الخلفاء . وهكذا الأمر بالنسبة إلى الآخرين في العهود الأُخرى .
أمّاانتشار مذهب جعفر بن محمّد الصادق وبقاؤه لحدّ هذا اليوم رغم مخالفة الحكّام فيرجع إلى ملكاته الروحيّة ومقوّماته الذاتيّة ، ولا ينكر ذلك أحد .
قال الدكتور محمد سلام مذكور : . . . ووجدت عده مذاهب ما كان للسياسية دخل في تكوينه وتأثيره في منهجه كمذهب الشيعة والخوارج « 1 » .
فأهل البيت وشيعتهم منصورون بالحجج والبراهين التي بأيديهم لا يضرّهم مَنْ خالفهم وخذلهم ، وقد يحتمل ان يكون المعنى بقوله ( ص ) : « لا تزال طائفة من أُمّتي منصورين قائمين بالحقّ لا يضرّهم من خالفهم وخذلهم » هم لا المحدثين « 2 » ! !
وعليه ، انّ حصر المذاهب بهذه الأربعة جاءت لأمر السلطان بيبرس « 3 » ،
هامش
( 1 ) مناهج الاجتهاد في الاسلام : 97 الفقيه والمتفقه 1 : 5 - 6 و 30 .
( 2 ) انظر : صحيح مسلم 3 : 1523 / 170 ، 174 ، وصحيح البخاريّ 9 : 124 - 125 ، سنن ابن ماجة 1 : 4 ، 5 / 6 ، 9 ، 10 ، الفقيه والمتفقّه 1 : 5 - 6 و 30 .
( 3 ) الخطط المقريزيّة 3 : 232 - 235 .