السلطان كذلك ؟ أم لشيء آخر ؟
وعلى ضوء ما تقدّم عرفت أنّ المصالح السياسيّة للسلطان كانت وراء تدوين ما يرتضيه وحذف ما لا يرتضيه ، وانّ تأصيل المذاهب والقول بمشروعيّة رأي الجميع وما يقاربها من آراء كانت دعوة حكوميّة ظهرت سماتها في الفقه والحديث . ومتى أراد الباحث الوقوف على المزيد منها أمكنه الوقوف عليها من خلال استطلاع إجمالي لكتب الفقه والتاريخ .
علماً بأنّ دور السياسة لم يقتصر على تدوين الفقه والحديث ، بل انّ دورها في تدوين التاريخ ولغة العرب ليس بأقلّ ممّا مضى . والباحثون يعرفون هذه الحقيقة .
1 - قال الأُستاذ جمال الدين الأفغانيّ :
بأيّ نصّ سُدّ باب الاجتهاد ، أو أيّ إمام قال : لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث ، أو أن يجدّ ويجتهد بتوسيع مفهومه والاستنتاج على ما ينطبق على العلوم العصريّة وحاجيات الزمان وأحكامه ، ولا ينافي جوهر النصّ . إنّ اللَّه بعث محمّداً رسولًا بلسان قومه العربيّ ليعلّمهم ما يريد إفهامهم ، وليفهموا منه ما يقوله لهم .
ولا ارتياب بأنّه لو فسح في أجل أبي حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد وعاشوا إلى اليوم لداموا مجدّين مستنبطين لكلّ قضية حكماً من القرآن والحديث وكلّما زاد تعمّقهم زادوا فهماً وتدقيقاً . نعم ، إنّ أُولئك الفحول من الأئمّة ورجال الأُمّة اجتهدوا وأحسنوا فجزاهم اللَّه خير الجزاء ، ولكن لا يصحّ أن نعتقد أنّهم أحاطوا بكلّ أسرار القرآن وتمكّنوا من تدوينها في كتبهم « 1 » .
2 - قال الأُستاذ عبد المتعال الصعيديّ - أحد علماء الأزهر الشريف - :
هامش
( 1 ) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 179 ، عن خاطرات جمال الدين : 177 .