وهكذا الحال بالنسبة للذي يأتي بأكثر من اثنتين .
بهذا الأُسلوب كان الإمام الصادق يواجه الّذين تعدّوا حدود اللَّه في الوضوء . وقد صدرت عنه نصوص كثيرة تؤيّد ما قلناه ، منها قوله بعدم جزئيّة المضمضة ، معلّلًا ذلك بقوله « لأنّها من الجوف » ، فإنّه قال بذلك ليقف أمام اجتهادات أمثال ابن عمر الذي عرف عنه بأنّه كان يقول افتحوا أعينكم عند الوضوء لعلّها لا ترى نار جهنّم !
فترى الصادق يقول : « لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضّأتم ، ولكن شنّوا الماء شنّاً » « 1 » .
وقد جاء عن موسى بن جعفر الكاظم نصّ قريب ممّا سبق . .
قال أبو جرير الرقاشيّ : قلت لأبي الحسن موسى : كيف أتوضّأ للصلاة ؟
فقال : « لا تعمّق في الوضوء ، ولا تلطم وجهك بالماء ، ولكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحاً » « 2 » .
فموسى بن جعفر أجاب السائل بجواب يستبطن الإشارة إلى شيوع ظاهرة التعمّق في الوضوء والمبالغة في صبّ الماء إلى حَد الإسراف ، وذلك ما حدا بالإمام أن يقدّم له مقدّمة ربّما لا ترتبط بسؤال السائل ، لأنّ السائل طلب بيان كيفيّة الوضوء ، والإمام أجاب بقوله « لا تعمّق في الوضوء » . وفي جواب الإمام دلالة على قضيّة مهمّة ، هي شيوع ظاهرة تكثير الغسلات ، وغسل الممسوحات ، فالإمام قدّم هذه المقدّمة ليوضِّح للسائل ماهيّة الوضوء وأنّه ليس كما يصوّره البعض بلطم الماء بالوجه وإدخاله في العين وعدم جواز ردّ سلام القادم وما شابه ؛ فإنّ كلّ هذه من التعمّق المنهيّ عنه في الدين .
وقد حمل الفقهاء المسح - الوارد في ذيل هذه الرواية - أوّلًا على المجاز بمعنى
هامش
( 1 ) التهذيب 1 : 357 / 1072 ، الاستبصار 1 : 69 / 208 .
( 2 ) قرب الإسناد : 312 الحديث 1215 ، وعنه في وسائل الشيعة 1 : 431 .