كذب ذلك عفا عنه المتوكّل « 1 » .
وكان المتوكّل يصله بصلات سَنِيّة ، ويعطف عليه ، وعيّن له في كلّ شهر أربعة آلاف درهم ، وطلبه إلى سامراء ليتبرّك برؤياه ، وينتفع بعلمه ، فامتنع أحمد ، ثمّ قبل ذلك « 2 » .
وروي عنه أنّه قال : ( ما أرى الرافضة على الإسلام ) « 3 » .
فقد كسب عطف المتوكّل حتّى قيل : إنّ بعض أُمراء المتوكّل قالوا له : إنّ أحمد لا يأكل لك طعاماً ولا يشرب لك شراباً ولا يجلس على فراشك ويحرّم ما تشربه .
فقال المتوكّل لهم : واللَّه لو نشر المعتصم وكلّمني في أحمد ما قبلت منه « 4 » !
* * * بعد عرضنا السريع لنشوء المذاهب الأربعة ، نستطيع أن نفهم وبكلّ وضوح أنّ روايات الوضوء المرويّة في هذه الكتب هي نسخ متكرّرة من الوضوء العثمانيّ والفقه المخالف لمدرسة التعبّد وما ذهب إليه عليّ بن أبي طالب وابن عبّاس .
لأنّ الفقه والرواية - كما قلنا - نشآ وترعرعا في أحضان الحكومتين الأمويّة والعبّاسيّة ، وقد وقفت على دورهم التخريبيّ في الشريعة واحتوائهم بالفقهاء وبعض التابعين ، لإبعاد الناس عن الأخذ بفقه عليّ ، إذ إنّهم كانوا يتصوّرون أنّ الأخذ بفقه عليّ هو مقدّمة لإبعادهم عن الحكم وتقرّب الناس إلى أهل بيت النبوّة ، وهذا ما كان يزعج الحكّام ولا يُرضيهم ، فتراهم يؤكّدون على الأخذ بكلام ابن عمر وإن خالف عليّاً وابن عبّاس . وإليك نصّاً آخر :
هامش
( 1 ) مناقب أحمد لابن الجوزيّ : 36 .
( 2 ) البداية والنهاية 10 : 350 .
( 3 ) المناقب لابن الجوزيّ : 214 .
( 4 ) البداية والنهاية 10 : 354 .