في السنين الثلاث الأخيرة من عمره الشريف ، أي بعد الإطاحة بثورتي النفس الزكيّة في المدينة وأخيه إبراهيم الإمام بالبصرة .
وإنّ الواقف على مجريات الأحداث في العهد العبّاسيّ وخصوصاً في النصف الثاني من عهد المنصور إلى أواخر عهد الرشيد ، والعارف بأساليب الحكّام والإرهاب ضدّ أولاد عليّ وشيعته . . يدرك مدى الظلم الواقع على أهل البيت آنذاك . وقد مرّ عليك سابقاً خبر ريطة وجثث الهاشميين وتسليم تلك الخزانة للمهديّ العبّاسيّ ، وخبر يحيى بن عبد اللَّه بن الحسن وان عيسى عمه لم يكن قادراً أن يصرّح بأنّ بنته هي بنت رسول اللَّه وليس له أن يزوّجها لذلك السقّاء . وقرأت قبلها عن بني الحسن وكيف سامهم المنصور إذلالًا وأودعهم بطون السجون المظلمة بحيث كانوا لا يعرف وقت الصلاة فيها إلّا بتلاوة عليّ ابن الحسن بن الحسن بن الحسن « 1 » .
إنّ من يقف على هذه الأُمور يدرك أنّ التقيّة كانت هي السبيل الأوحد لبقاء فقه العلويين ونهجهم ، علماً بأنّ التقيّة لم تكن نفاقاً كما يطرحه البعض ، إذ إنّ النفاق هو إظهار الإيمان مع كتمان الكفر . أمّا التقيّة فهي إظهار المسايرة والموافقة والعمل بخلاف الواقع لحفظ الدماء والأعراض وما شابه ذلك ، وكتمان الإيمان . . ضماناً لاستمرار مسيرة الخطّ الإسلاميّ الأصيل .
بعبارة أُخرى : الكافرون هم الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، مثل قوله :
« وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا * وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » .
فهذا . . إيمان ظاهر + كفر باطن / نفاق .
أمّا أهل التقيّة فمثلهم مثل مؤمن آل فرعون ، لقوله تعالى :
« وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ » .
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 192 و 194 .