وانّه قد ترك الكثير من هذه الأحاديث الحكوميّة لعرفانه بدور السلطة في وضع الحديث وليس كما علّله مقدّم كتاب المنذريّ « 1 » وابن خلدون « 2 » من انّه قد ترك الحديث لأنّ كثيراً من الزنادقة في عصره كانوا يضعون الأحاديث وأنّ أهل الغفلة من المحدّثين كانوا يروونها ، وانّ الإمام قد تركها لذلك !
وكلامنا هذا عن الإمام أبي حنيفة لا يعني أنّه كان شيعيّاً أو انّ الإمام الصادق قد رضي عنه أو ترضّى عليه ، أو صحّح رؤاه العقائديّة والفقهيّة أو أخذ عنه ، بل نقول إنّ كثيراً من الطعن الذي لحقه كان بسبب بعض مواقفه المعارضة للحكومة والمؤيّدة للعلويين وغيرهم من أعداء خطّ السلطة العقائديّ الفقهيّ ، فأن أهل البيت كانوا لا يرتضون القياس ولا الاحكام المبتنية عليه .
قال الأُستاذ عبد الحليم الجندي : لو كانت الحكومة تدرك بأنّ أبا حنيفة يعتنق مذهب التشيّع لما تركته يلقي دروسه في الكوفة - مركز السنّة - سنوات عديدة « 3 » !
وهناك نصوص حواريّة كثيرة بين الصادق وأبي حنيفة تؤكّد رفض الصادق لآرائه القياسيّة . وقد ألّف علماء الشيعة وأصحاب الأئمّة في ردّ القياس كتباً كثيرة ، لكنّ المهمّ الذي نؤكّد عليه هو دور السياسة في احتواء الفقهاء فكريّاً وسياسيّاً وبثّهم الدعايات والتهم الشائنة ضدّ من لم يمكن احتواؤهم ، بل إنّهم قد جنّدوا الطاقات والعلماء الآخرين لكي ينسبوا إليهم ما لم يقولوه ، أو لكي يحرّفوه أو ليضخّموه فيصبغوه صبغة هو بعيد عنها . وقد وقفت على دور أبي هريرة والسيّدة عائشة وابن عمر والزهريّ وفقهاء المدينة السبعة في العهد الأمويّ . وعرفت شدّة تأكيد الحكومة على الأخذ بأقوالهم . ومرّ عليك قول ابن عمر وإرجاعه الناس للأخذ بفقه عبد الملك بن مروان وجاء عن المنصور
هامش
( 1 ) انظر : الترغيب والترهيب 1 : 13 ( المقدّمة ) .
( 2 ) المقدّمة : 410 .
( 3 ) انظر : أبو حنيفة : 213 .