تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
رأي آخر وبعد هذا العرض السريع الذي بيّنا فيه بعض الرؤى ، نحاول أن نطرح رؤية أُخرى هي في سبب تسمية المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ بمذهب جعفر ابن محمّد الصادق . ذلك أنّ ما قيل بأنّ الإمام عاش بين فترة الشيخوخة الأمويّة والطفولة العبّاسيّة ، وأنّ هذه الفترة كانت مواتية لنشر المذاهب ، لم تكن السبب الوحيد في ذلك ، بل هناك أُمور أُخر ، منها : دور الحكّام في الأحكام الشرعيّة واحتواؤهم للفقهاء والمحدّثين والقرّاء وسواهم . فإنّ الصادق لمّا رأى دورهم في تدوين الحديث ثمّ تأصيل المذاهب وتقريب المحدّثين والقرّاء والشعراء ، والاهتمام بالحركة العلميّة ، كان واضحاً لديه أنّ هذه المبادرة الحكوميّة هي ثورة ثقافيّة ضدّ الأُصول العقائديّة والفقهيّة والتاريخيّة للمسلمين . فالإمام أبو حنيفة يبثّ أفكاره في الكوفة مركز العلويين ، وبين أفكاره وما يطرحه من رؤى ما يخالف الصريح من كلام الرسول . والإمام مالك يسيطر على مركز الدعوة الإسلاميّة ويفتي الناس بالمدينة . والليث بن سعد يفتي الناس بمصر . وقيل إنّ أهل مصر كانوا ينتقصون من عثمان ، فنشأ فيهم الليث فحدّثهم بفضائل عثمان . والأوزاعيّ يفتي الناس بالشام وقد عُرف انحرافه عن أهل البيت ، فكان في كلّ مصر فقه خاصّ واعتقاد خاصّ يبتعد في غالبه عن الأُصول النبويّة والآراء الفقهيّة الصحيحة في القليل أو الكثير . ولمّا رأى الصادق دعم الحكومة لهؤلاء الفقهاء - تلويحاً وتصريحاً - أحسّ بالخطر وضرورة مواجهة الغزو الفكريّ والفورة الثقافيّة التي شنّتها الحكومة العبّاسيّة على النهج العلويّ ، فكان أن بدأ في مواجهة هذه الحملة مواجهة في غاية الجدّ ، وأخذ أصحابه في التوجّه إلى الفقه وتعلّم الأحكام وقد تخوّف على