الثالثة : إنَّ فكرة التدوين من قبل الحكّام نشأت بعد ثوران الرأي العام ضدَّ الأمويين بمقتل الحسين لما نتج عنها من انشداد المسلمين إلى أهل البيت وإصرارهم على ضرورة العمل بالسنّة ؛ بالإضافة إلى وقوف بعض الصحابة أو التابعين أمام الحكّام التزاماً بالسيرة العمليّة لرسول اللَّه ، ممّا حدى بالحكومة أن تفكّر بجدّيّة في مسألة تبنِّي تدوين السنّة ، لمحاصرة ما عسى أن يستجدّ أمامهم من مشكلات في المستقبل .
وقد قلنا سابقاً إنَّ اتّجاه الناس كان هو التحديث عن رسول اللَّه ، لقول عثمان : ( إنَّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللَّه ) ؛ أمَّا نهج الخليفة والحكومة ، فقد كان الأخذ بالرأي ومعارضة الذين يتحدّثون وفق المدوّنات !
وكان النهجان على تضادّ ؛ فالحكّام لا يسمحون لهؤلاء في التحدّث بكلام الرسول ، لأنَّ فيه توعية الناس ووقوفهم على الاجتهادات الخاطئة ، أمّا أُولئك كانوا يحدّثون الناس رغم كلّ الضغوط والملابسات !
فقد جاء في سنن الدارميّ :
إنَّ رجلًا جاء إلى أبي ذرّ ؛ وقال له : ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟
فرفع رأسه ؛ فقال : أرقيب [ أنت ] عَلَيَّ ؟ . . لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثمَّ ظننت أنّي أنفذ كلمة سمعتها من رسول اللَّه ( ص ) قبل أن تجيزوه عَلَيَّ ، لأنفذتها « 1 » .
وقال معاوية : ما بال رجال يتحدّثون عن رسول اللَّه ( ص ) أحاديث قد كنّا نشهده ، ونصحبه فلم نسمعها منه . . فقام عبادة بن الصامت وعارضه « 2 » .
لقد كان معاوية يريد التشكيك بحجّيّة أحاديث هؤلاء الرجال - ليبقى هذا التشكيك على مدى الأجيال - إلّا أنَّ موقف عبادة بن الصامت ومعارضته إيّاه قد ذهبت بجهود معاوية سدى !
تبيّن وفق ما قلناه أنّ الحكّام لمَّا رأوا منافسيهم يتسلَّحون بسلاح الحديث ،
هامش
( 1 ) سنن الدارميّ 1 : 136 ، صحيح البخاريّ 1 : 27 ، حجّيّة السنّة : 3 - 464 .
( 2 ) صحيح مسلم 3 : 1210 / 80 باب الصرف وبيع الذهب من كتاب المساقاة .