فما سمعته يحدّث عن رسول اللَّه « 1 » ؟
وكيف نصدّق ما نقله ابن سعد والذهبيّ عن الإمام الباقر وأنّه قال في ابن عمر إنّه أحذر أصحاب النبيّ إذا سمع من رسول اللَّه شيئاً ألّا يزيد ولا ينقص « 2 » وأقوال عائشة والنصوص الأُخرى تكذّب هذا الخبر !
وكيف صار أبو هريرة من الأدوات الفاعلة في المخطّط الامويّ ، حتّى أنَّه ليعرف متى يأتي قطعان الشام ، ويدعو إلى إطاعتهم وعدم سبّ الظالمين ؟ ! !
قال العجّاج الراجز : قال لي أبو هريرة : من أين أنت ؟
قلت : من أهل العراق .
قال : يوشك أن يأتيك بقطعان الشام [ أي خدمهم وعمّال الزكاة ] فيأخذوا صدقتك ، فإذا أتوك فتلقّهم بها . فإذا دخلوها ، فكن في أقاصيها ، وخلِّ عنهم عنها ؛ وإيّاك أن تشتمهم ، فإنَّك إن سببتهم ذهب أجرك ، وأخذوا صدقتك ، وإن صبرت . . جاءت في ميزان عملك يوم القيامة « 3 » .
وفي كتاب الأموال لأبي عبيد : انّ رجلًا جاء إلى أبي هريرة فقال : أأُخبّئُ منهم كريمة مالي ؟
قال : لا ، إذا أتوكم فلا تعصوهم ، وإذا أدبروا فلا تسبّوهم ، فتكون عاصياً خَفَّفَ عن ظالم ، ولكن قل : هذا مالي ، وهذا الحقّ ، فخذ الحقّ وذر الباطل ، فإن أخذه فذلك ، وإن تعداه إلى غيره جمعا لك في الميزان يوم القيامة « 4 » .
نعم ؛ قد طرح الحكّام هذه الرؤى لئلا يقف أحد أمام تصرّفاتهم ، لترك ما للَّه للَّهوما لقيصر لقيصر ، ولتخدير الأُمّة ، وترويضها على الابتعاد عن التدخّل في أجواء الحكم والحاكم ، والاكتفاء بالخروج إلى الصلاة أيّام الجُمع ، لتجريدهم من روح النصيحة ، وجعلهم أُناساً بلا مسؤوليّة ؛ حتّى لا يقف
هامش
( 1 ) الإصابة 2 : 349 عن مجاهد .
( 2 ) طبقات ابن سعد 4 : 144 ، سير أعلام النبلاء 3 : 213 .
( 3 ) الشعر والشعراء لابن قتيبة : 392 .
( 4 ) كتاب الأموال : 412 .