الأُولى : استخدام الحجّاج الرأي في إلزام الناس بغسل أرجلهم معلّلًا بأنَّه أقرب شيء إلى الخبث ، وإنَّا قد ذكرنا سابقاً موقف الإمام عليّ من أصحاب الرأي ، وانَّه قال لهم : لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أولى من ظاهره ، إلّا أنّي رأيت رسول اللَّه يمسح على ظاهره . .
وبهذا تبيّن لك أنّ في الوضوء اتجاهين :
1 - اتجاه الخليفة / الأخذ بالرأي « 1 » .
2 - اتجاه الناس / التعبّد المحض بما قاله اللَّه ورسوله .
الثانية : نفهم من جملة ( إنَّ الحجّاج أمر الناس . . . ) إنَّ الحكومة قد تبنّت فقه الخليفة عثمان في الوضوء ، ودعت إليه بوسائلها الخاصّة ! تلك الحكومة التي سعت في تحريف الحقائق وتغيير مفاهيم بعض الأحاديث . . وستقف قريباً على المزيد منه إن شاء اللَّه تعالى .
الثالثة : امتداد خطّ الناس في الوضوء حتّى زمن الحجّاج بن يوسف الثقفيّ ؛ لقول موسى بن أنس ( ونحن معه نذكر الطهور ) وتصدّي كبار الصحابة لذلك الاتّجاه ، أمثال : أنس بن مالك ( خادم رسول اللَّه ) ، وابن عبّاس ( حبر الأُمَّة ) و . . .
وأنَّ وقوف أمثال هؤلاء أمام خطّ الدولة - رغم كلّ الملابسات وسياسات العنف - ينبئ عن أصالة الخطّ وصحّة فعلهم .
فالدولة خروجاً لها من هذا المأزق وغيره ولتصحيح ما تفرضه من اجتهادات وآراء تبنّت فكرة تدوين السنّة النبويّة الشريفة ، ليكون زمام الأُمور بيدها وأن لا تواجه مستقبليّاً مشكلة في نقل النصوص ! ! وأناطت لابن شهاب الزهريّ مهمّة ذلك .
هامش
( 1 ) سنثبت في الجزء الثاني من هذه الدراسة أنَّ وضوء عثمان إنّما صدر عن رأيه المحض ، وحتّى ما نقله من رؤيته لوضوء رسول اللَّه فإنّه كان اجتهاداً في مقابل النصّ ، ولأجله لم يلق التأييد من الصحابة ، بل هناك ناس خالفوه فيما حكاه عن رسول اللَّه ، وأنّ المنقول عنه ( ص ) - على فرض صدوره - لم يكن على نحو التشريع للمسلمين ، بل إنّه من مختصّاته ( ص ) !