كانت هذه سياسة عثمان مع الصحابة ، فإنَّ النصيحة تستوجب النقمة والإبعاد ، وتهمة تفريق جماعة المسلمين وراء من يريد النصح للَّه !
أوَلَم تكن رغبة الناصح هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ . . أوَلَم يقل أبو بكر لجموع المسلمين : قوّموني ، فلست بأعلمكم . . أو : بخيركم ؟ . . أو قوله :
فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوّموني ؟
ثمّ . . أوَلَم يتبع عمر أبا بكر في سيرته بهذا الشأن ؟
فلماذا لا يقبل الخليفة الثالث نهج من سبقه ؛ ولماذا لا نراه يستشير الصحابة في الأحكام الشرعيّة ، كما كان الشيخان ، بل يريد أن يُحدث في الأحكام ويشرّع دون أن يقف أمامه أحد ؟
فالصحابة كانوا يسعون للحفاظ على وحدة الصف دوماً ، لكنَّ الخليفة استغلّ ذلك التعاطف الدينيّ ، وتصرّف بالأُمور من أجل ترسيخ دعائم سياسته الخاصّة !
فقد نقل عن ابن عوف - على رغم مخالفته لعثمان - بأنّه عندما خرج من عند عثمان ، يوم اعترض عليه في إتمامه الصلاة بمنى ، لقي ابن مسعود فقال ابن مسعود : الخلاف شرّ ، قد بلغني أنَّه صلّى أربعاً فصليت بأصحابي أربعاً .
فقال عبد الرحمن بن عوف : قد بلغني أنَّه صلّى أربعاً ، فصلّيت بأصحابي ركعتين ، أمّا الآن فسوف يكون الأمر الذي تقول ، يعني نصلّي معه أربعاً « 1 » .
وقيل لابن مسعود : ألَم تحدثنا أنَّ النبيّ صلّى ركعتين ، وأبا بكر صلّى ركعتين ؟
فقال : بلى ؛ وأنا أُحدثكموه الآن . . ولكنَّ عثمان كان إماماً فما أُخالفه ،
هامش
( 1 ) الكامل في التاريخ 3 : 104 ، البداية والنهاية 7 : 228 .