بعد ذلك ، فقام ( مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض الجُرهمي ) ناصحاً لهم « 1 » . ولم ينفع النصح فيهم ، فدخل عمرو بن عامر نازحاً من اليمن مع أهله وأمواله وكاهنة لهم تُدعى ( طريفة الكاهنة ) مُطاعٌ أمرُها عندهم ، فكانوا لا يطأون بلداً إلّا غلبوا عليه وقهروا أهله حتى قاربوا مكة واقتتلوا مع جُرهم ثلاثة أيام فانتصروا وانهزمت جُرهم ، فلم ينفلت منهم إلّا الشريد ، وكان مضاض بن عمرو ابن الحارث قد اعتزل جرهماً ولم يعنِ في ذلك ، فرحل هو وولده وأهل بيته حتى نزلوا قنونا وحّلى أودية على ساحل البحر الأحمر .
وتشتت جُرهم ، وفُنيت البقية الباقية بالسيف ، وجاء دور خزاعة في ولاية الكعبة ، فحازت أمر مكة وصاروا أهلها ، وجاءهم بنو إسماعيل فسألوا السكنى مع خزاعة فأذنوا لهم . فلما رأى ذلك ( مضاض بن عمرو بن الحارث ) أرسلخزاعة يستأذنها في الدخول عليهم والنزول معهم بمكة في جوارهم ومتَّ إليهم برأيه وتوديعه قومه عن القتال وسوء السيرة في الحرم واعتزاله الحرب ، فأبت خزاعة أن تقررهم ونفتهم عن الحرم كلّه ولم يتركوهم ينزلون معهم ، فقال عمرو بن لحي وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر لقومه : من وجد منكم جرهمياً قد قارب الحرم فدمهُ هدر « 2 » .
وبذلك سيطرت خزاعة على مكة وأخرجت جُرهم منها ونفتهم عن آخرهم إلى اليمن ، وحزنت جُرهم حزناً شديداً ، وندموا على ما فعلوا في مكة ندماً ذريعاً ، وبكوا على مكة وألفوا الأشعار فيها « 3 » .
هذا . . . وحازت خزاعة ولاية البيت الحرام والكعبة الشريفة ، وحُكم مكة ،
هامش
( 1 ) يذكر الأزرقي خطبتهُ لهم في كتابه أخبار مكة 1 ، انظر ( 90 - 103 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) أخبار مكة 1 : 105 .