ومأواه ، يلقى الذي يناظره ، متجهاً إلى مقصدٍ يقصده هو أيضاً ، مدعواً من قِبل ربّ العزةِ والجبروت ، خالق الخلق ، جبار السماوات والأرض ، إلى بيته ؛ ليساويهم في المظهر والجوهر ، ليغفر ذنوبهم ويكفّر عنهم سيئاتهم ويجعل فيهم القوة والغلبة أمام أعدائه وأعدائهم ، ولينصرهم أمام شياطين الإنس والجن . . .
والحج خير دورة تدريبية إنسانية ، تدرب المسلم على روح المساواة والشعور بالتواضع ، والتخلي عن الأنا ، فهو في هذه الدورة لا يلبس ملبساً أفضل من ملبس اخوانه المسلمين ، ولا يتحدث بألفاظ أفضل وأبلغ منهم ، فالذكر والتلبية يتلفظها الجميع بلغة واحدة ، ولا ينظر إلى فخامة بيته وسيارته فهو يهرول على رجليه ، حاله حال البقية ، بعيداً عن الكرسي والمنصب والجاه والأموال والبنين والزخارف وما إلى ذلك مما يميزه عنهم . . . ها هو يتساوى معهم ، ويا ليته يتخرّج من هذه الدورة المكثفة في تعاليمها وتربيتها ، وهو يحمل روح العمل والتطبيق بما أخذ من المفاهيم في ( الدورة الإلهية ) ، هذا ما يقرّره الحاج نفسه أن يختار تطبيق تعاليمها أو يضربها عرضاً كأنّ شيئاً لم يكن ، يخرج منها صفر اليدين ، ويرجع إلى ما فرضته الحياة عليه من المغريات واللذات ، وما كان عليه قبل أدائه لهذه الفريضة العظيمة . . . وما كان عليه من التكبر والغرور والتمييز والعنصرية وما إلى ذلك . . .
وفي الحج يتحقق مفهوم الآية الكريمة :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 1 » .
وعلى هذا تتحقق المساواة الحقيقية في الحج ، ولعلّه أفضل مكان لهذه المساواة التي تفتقر إليها كثير من الشعوب ، فالحاج المسلم يشعر بأروع مظاهر المساواة والتواضع والأخوة والإنسانية بإلغاء الفوارق والأزياء وخلع أسباب الظهور الاجتماعي ، والظهور باللباس العبادي الموحد ، حيث يحسّ الجميع بوحدة النوع
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 .