الذين قالوا بأنّ الله ثالث ثلاثة إن قالوا بذلك معتمدين على النقل ، فقولهم باطل لمعارضته للعقل ، ففي كتابه ( الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح )
يقول : ( ولا يميّزون - أي النصارى - بين ما يحيله العقل ويبطله ، ويعلم أنّه ممتنع كالتثليث ، وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه ، ولا يحكم فيه بنفيٍ ولا إثبات ، وأنّ الرُّسل أخبرت بالنوع الثاني ، ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأوّل ، فلم يفرّقوا - أي النصارى - بين محالات العقول ومحارات العقول ، وقد ضاهوا في ذلك من قبلهم من المشركين الذين جعلوا لله ولداً شريكاً ) « 1 »
وصريح كلامه أنّ المسألة إذا كانت من المسائل العقليّة ، فحكم العقل بالنفي والإثبات هو الحاكم ، أمّا إذا كانت من المسائل التي لا يدركها العقل ، من قبيل صلاة الصبح وأدائها ركعتين ، فالعقل هنا لا يحكم بالنفي والإثبات ، وليس له دورٌ هنا ، وفي مسألة أنّ الله ثالث ثلاثة يستطيع العقل أن يحكم فيها ، ولا دور هنا للنقل .
ويقول ابن تيميّة أيضاً في كتابه ( درء تعارض العقل والنقل ) : ( إمّا أن يريد ما أحدهما قطعي ، فالقطعي هو المقدّم مطلقاً على الظنّي ) « 2 » ( عقليّاً كان أو غير عقلي .
وهنا لابدّ من توضيح قاعدة نستند إليها في مباحثنا ؛ دفعاً لبعض التساؤلات حول ذكرنا للروايات من دون السند ، وعدم بيان صحّة السند وضعفه ، وهي : أنّه إذا كانت القضيّة عقليّة فلا نحتاج إلى دليل عقلي ، وإذا ذكرنا إلى جانب الدليل العقلي رواية فليس ذلك إلّا من قبيل المؤيّد أو الشاهد ، لأنّه لا حاجة لنا للنقل في الدليل العقلي .
هامش
( 1 ) الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح : ج 3 ص 185 .
( 2 ) درء تعارض العقل والنقل : ج 1 ص 131 .