والجواب يحتاج إلى مقدّمة ، حاصلها :
في علم الرياضيّات إذا سألنا العقل عن حاصل ضرب ( 2 ( ع ) 2 ) فسيقول ( 4 ) ، فلو قيل لنا مثلًا ( 5 ) ، فهنا نرفع اليد قطعاً عن هذه النتيجة ، لأنّ إيماننا بأنّ النتيجة هي أربعة من الأمور القطعيّة التي حكمَ بها العقل .
والحال نفسه في الروايات ، فلو جاءتنا رواية وكانت صحيحة السند ولكنّها خالفت أمراً قطعيّاً ، فإنّنا نرفع اليد عن الرواية لأنّها أمر ظنيّ خالفت أمراً قطعيّاً ، وهذا من قبيل إدراك العقل لعدم اجتماع الوجود والعدم ، لأنّه اجتماعٌ للنقيضين ، فمن المحال أن يكون الشيء في آنٍ واحد موجوداً وغير موجود ، فلو جاءنا من يقول : جاءنا حديث باجتماع النقيضين ، فلا يمكن القبول به .
ولذا نحن أيضاً في ما تقدّم ذكرنا في قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
( البقرة : 186 ) بأنّه إذا كان الله جسماً ، فمع كونه قريباً من ( أ ) لا يستطيع أن يكون قريباً من ( ب ) ، فإذن هو موجودٌ غير جسماني ، وإلّا فلو دعاه شخصٌ في شمال الأرض ، وآخر في جنوبها ، لا يمكن له حينئذٍ أن يكون قريباً من هذا وهذا ، في آنٍ واحد ، وهذا يكشف عن أنّ وجود الله سبحانه وتعالى ليس وجوداً جسمانيّاً .
وكلّ مسألة عقليّة حكمَ فيها العقل بحكم ، لا يمكن للنقل أن يعارضه فيها ، وكذلك إذا نفى العقل القطعي - لا الظنّي - مسألة لا يمكن للنقل أن يحكم بخلافها ، وهذا هو رأي المحقّقين ، حتّى أولئك الذين عارضوا الفلاسفة وأشكلوا عليهم ، وأبطلوا نظريّاتهم .
ومن هؤلاء ابن تيميّة نفسه الذي يصرّح في بعض المواضع بأنّه عند تصادم النقل مع العقل يسقط النقل ، ويعتبر بأنّ الديانة المسيحيّة أو النصارى