سجستان حين سأله أبو إسماعيل الهروي : هل رأيت ابن حبّان ؟ فيُجيبه منتفخاً مُتعظّماً رافعاً رأسه : وكيف لم أرَهُ ، نحن أخرجناه من سجستان ، ويعلِّل ابن عمّار سبب طرده ، وأنّه تقرّب بذلك إلى الله ، وانتصر بزعمه للدِّين . . . وفوق اتّهامه بالبدعة والزندقة ، ذكره بعضهم في الكذّابين . . . فلا يسمع منه ما شذّ فيه ، وليس من شأن ما هو شاذّ أن يثبت أمام الحقائق الساطعة - أي بقي ابن حبّان علماً - فهي التي تمكث في الأرض ويذهب الزَّبد جفاءً ، فقد ظلّ ابن حبّان متألّقاً في حياته ، بل وبعد وفاته ، حتّى أنّ الناس كانوا يزورون قبره رغم أنف الحاسدين ) « 1 » .
ونحن هنا وحتّى لا يتّهمنا أحد ، نشير إلى أنّ الغرض من هذه الأبحاث ليس موجّهاً باتّجاه المطالبة من أهل السنّة أن يتحوّلوا إلى التشيّع ، لأنّنا نعتقد بأنّ من بحث وحقّق بمقدار من الجُهد ووصل إلى أمر معيّن في الاعتقاد أو الفقه ، فيجوز له الاعتقاد به والتعبّد به كذلك ، وسوف يكون معذوراً أمام الله سبحانه وتعالى ، بل سيكون ناجياً يوم القيامة ، ومُثاباً على علمه .
نعم ، أولئك الذين خالفوا الحقّ والمنطق والبرهان
وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
( محمّد : الآية 32 ) ، فهؤلاء سيؤاخذون ويحاسبون يوم القيامة .
ومرادنا من الرسول في الآية المباركة هو النبيّ الخاتم ( ص ) ، وإلّا إذا حملنا الرسول على البيّنة والحجّة وعلى كلّ زمان ، فيكون معنى الآية : ما كنّا معذّبين حتّى نبعث بياناً وحجّة .
ويرى ابن حجر أنّ الحقّ مع ابن حبّان في إنكاره للحَدّ ، ويقول : ( قال الحاكم : وأبو حاتم . . . وكان يُحْسَد لفضله . . . إن أراد القصّة الأولى التي صدّر
هامش
( 1 ) صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان : ج 1 ، ص 23 - 26 ( مقدّمة التحقيق ) .