إدراكه مسموع وإن خفي ، فيسمع السرّ والنجوى ، بل ما هو أدقّ من ذلك وأخفى ، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم ، ودعاء الداعين فيستجيب لهم ، ويسمع بغير أصمخة وآذان ، كما يفعل بغير جارحة ويتكلّم بغير لسان ، وسمعه منزّهٌ عن أن يتطرّق إليه الحدثان . ومهما نزّهت السميع عن تغيّر يعتريه عند حدوث المسموعات ، وقدّسته عن أن يسمع بأذن أو بآلة وأداة ، علمت أنّ السمع في حقّه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات ، ومَن لم يدقّق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه ، فخذ منه حذرك ، ودقّق فيه نظرك ) « 1 »
كما أشار إلى المعنى ذاته صدر الدِّين الشيرازي في ( الأسفار ) حين قال في حديثه عن السمع والبصر : إنّ هذا الإدراك ( يحصل بغير آلة ، وإن لم يحصل فينا ؛ لقصورنا إلّا بآلة ) « 2 »
ففي النصّ دلالة حاسمة على أنّ الآلة ليست من اللوازم الذاتيّة للسمع والبصر مطلقاً ، وإنّما هي كذلك لبعض مراتب الوجود فقط .
وبعد بيان أنحاء المفاهيم ، يتّضح الخلط الواضح الذي وقع فيه ابن تيميّة وأتباعه ، ولاسيّما في المفاهيم المشتركة الصادقة على الحقّ سبحانه وتعالى وعلى المخلوقات ، حيث إنّه لابدّ عند إطلاقها على الله تعالى من تجريدها من الخصوصيّات الموجودة عند الممكنات ، وإطلاقها عليه تعالى بخصوصيّات تنسجم مع وجوب الواجب ، والوجود الغنيّ المطلق ، والأزلي ، والسرمدي ، ونحو ذلك من العناوين .
هامش
( 1 ) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى : ص 96 .
( 2 ) الحكمة المتعالية : ج 6 ص 422 ، الموقف السادس في كونه تعالى سميعاً بصيراً .